مات حسن عبدالله القرشي..
مات شاعر الحب وعاشق الحياة والجمال..
مات صاحب القلب الأخضر..
مات بعد أن عاش حياته كلها مفعماً بالأمل والأُلف والنضارة والشباب..
مات صاحب الابتسامة المضيئة التي لا تفارقه حتى في لحظات الإحباط والألم..
مات صاحب القلب الأبيض والصدر الحنون والعواطف الرقيقة والوجدان الصادق..
مات صاحب الدموع الدافئة التي تفيض من عينيه كالدر الثمين تعبّر عمّا يعتمل في معدنه الاصيل..
مات صاحب الشخصية الانسانية المحبوبة، والخلق الرضيّ والشفافية المخلصة..
مات المحب للناس الذي عاش حياته متواضعاً لهم، بسيطاً بينهم، محبوباً منهم..
مات حسن عبدالله القرشي وليس له أعداء، فقد عاش متسامحاً مع الذين يسيئون إليه، محسناً إليهم إن وجد فرصة لذلك، غاضاً الطرف عن عيوبهم، مثنياً على محاسنهم..
مات صاحب الوجه البريء والملامح الوديعة، والنفس الطيبة الكريمة، والمشاعر الفياضة..
مات وليس في قلبه ذرة من كبر ولا غل أو غيره أو حسد على مخلوق من عباد الله..
مات حسن عبدالله القرشي شاكراً حامداً ممتناً لربه بما أعطاه من مكانة عالية، وصيت ذائع، ومحبة في قلوب الناس..
مات حسن عبدالله القرشي وهو يشعر انه اغنى الناس، لانه ترك من بعده ثروة لا تقدر بمال، أولاده وبناته الذين وصلوا برعايته وتربيته إلى أعلى مراتب العلم، ومؤلفاته المتعددة في الشعر والنثر لتحدث الناس عنه جيلاً بعد جيل..
مات حسن عبدالله القرشي بعد أن أصبح في تاريخ الأدب أهم أبناء الجيل الثاني من الرواد الموسوعيين في الأدب العربي السعودي..
مات الشاعر الذي نشر فيض قلبه فيما يقرب من عشرين ديواناً، وقبس فكره وخلاصة تجربته في مثلها من المؤلفات..
مات الشاعر الذي رحب به في مقتبل حياته الادبية كبار أدباء العربية ونقادها، فاعتبره الزيات نغمات من ابن أبي ربيعة تبعث في الحجاز، واعتبره طه حسين عصراً من التجديد في الأدب السعودي..
مات الطائر الفريد الذي حط على أجمل اغصان الدنيا، وقطف من أشهى ثمارها وشدا بشعره ولحنه في عواصمها..
مات سفير الأدب السعودي المتجول في العالم العربي، العضو الدائم في المؤتمرات الأدبية، ونجم المهرجانات الشعرية..
مات صاحب أكثر شخصية أدبية سعودية حققت حضوراً متواتراً على مدى 50 عاماً في المشهد الأدبي العربي بالصداقات التي عقدها بينه وبين أدباء العرب، وبما نشر له أو نشر عنه في صحفهم..
مات عاشق اللغة العربية وحارسها الغيور الذي حرصت مجامعها على انضمامه إليها، فأصبح عصفوراً بارزاً في مجمعي اللغة العربية بالقاهرة وعمان، وتهيأ مجمع بغداد لاستقباله وحالت دون ذلك ظروف العراق، والآن حال دون ذلك الفراق..
مات حسن عبدالله القرشي الموسوعي الذي أجاد في كل فن، كتب الشعر فأصبح من فرسانه، وكتب القصة فعُدَّ من روادها في وطنه، وسطر المقالات والدراسات والخواطر والذكريات فعبَّر عن نفسه وعصره بمختلف الأدوات..
مات واحد من أكبر حفظة الشعر في العالم العربي، فقد حفظ في صدره معظم شعره وحفظ معظم دواوين فطاحل شعراء العربية عبر العصور..
مات رجل الوفاء، حافظ الود، المعترف بالفضل لاصحاب الفضل فيما كتبه عن الشخصيات الأدبية والفكرية التي عرفها..
مات الأديب الذي قرأتُ شعره في صباي فطرب له وجداني، وقرأت نثره فأضفى إلى ثروة حياتي..
مات الإنسان الذي أحببته وعرفت فيه عاطفة الأبوة وصدق الأخوة واخلاص الاستاذية، وما فارقته يوماً إلا وتلفت القلب على إثره شوقاً إليه..
مات الصديق الذي لم تكن تحلو القاهرة -في نظري- إلا به، فقد كان عاشقها الذي لا يبارى، فهل استطيع لقياها وقد اضناها الحزن عليه، وماذا أجيب اذا ما سألتني عنه مواضع الذكريات هناك؟
مات الانسان والأديب والشاعر الذي لن أنساه ما حييت؛ لانني أحببته من كل قلبي وعشقت أدبه وفنه..
مات حسن عبدالله القرشي شاباً في الثمانين وفي عروقه تجري دماء الشباب وقلبه ينبض بحب الحياة والخير والناس..
مات رضيَّ النفس مطمئناً صابراً محتسباً لربه أرحم الراحمين، وما أحسن عبد من عباد الله الظن بالله، إلا وكان الله عند حسن ظن عبده به..
وقد أحسن حسن عبدالله القرشي ظنه بربه، ومات على هذا الظن، ولن يخيب ظنه ان شاء الله.. فما أكثر الصالحات في حياته, وما أكثر ما سمعته يتلو الآية الكريمة: {لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} (35) سورة الزمر..
عاش حسن عبدالله القرشي كبير النفس، ومات رضيَّها.. فليحشره الله مع الراضين المرضيين غفراناً ورحمةً.
|