Friday 24th September,200411684العددالجمعة 10 ,شعبان 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

انت في "أفاق اسلامية"

« الجزيرة» تفتح ملف.. سلوكيات يرفضها الإسلام «35» « الجزيرة» تفتح ملف.. سلوكيات يرفضها الإسلام «35»
الغش: مخالفة لهدي الشريعة ومفتاح لأبواب الغدر

* الجزيرة- خاص:
يمثل الغش مزيجاً من سلوكيات الكذب والخداع والخيانة وقلة الأمانة والتدليس والنصب والاحتيال، وبهذا يجمع السوء من جميع أطرافه، ولهذا قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (من غشنا فليس منا) متبرأً بذلك من كل الغشاشين إلى يوم الدين، ومنزهاً المسلم عن هذا المسلك الحرام، ولم يكن ذلك إلا لأن خطورة الغش على الفرد والمجتمع والأمة.
فما هو الغش وما هي دوافعه وأسبابه وآثاره السلبية، وكيف عالج الإسلام هذا السلوك، وطرح سبل الوقاية منه.
جاء الإسلام ليخلص البشرية من أدران الجاهلية وأمراضها، ويقوم السلوك الإنساني ضد أي اعوجاج أو انحراف عن الفطرة السوية، ويقدم العلاج الشافي لأمراض الإنسان في كل العصور القديم منها والحديث، مما حملته العصور الحديثة بتقنياتها ومستجداتها، وهو علاج تقبله كل نفس سوية، ولا ترفضه إلا نفوس معاندة مكابرة، جاهلة، أضلها هوى، أو متعة زائلة.
وقد استوعبت الشريعة الغراء كل ما قد يقترفه الإنسان من ذنوب، أو محرمات في كل عصر، سواء كانت أقوالاً أو أفعالاً، أو حتى ما يعتمل في الصدور من مشاعر وانفعالات، وأبانت أسباب تحريمها جُملة وتفصيلاً في القرآن الكريم والسنة المطهرة، إلا ان الكثيرين مازالوا يسقطون في دائرة المحرمات هذه، إما جهلاً، أو استكباراً، أو استصغاراً لها، أو بحثاً عن منفعة دنيوية رخيصة واستجابة لشهوة لحظية، بل إن بعض هؤلاء يحاولون الالتفاف على حكم الإسلام الرافض لهذه السلوكيات، بدعاوى وأقاويل هشة لا تصمد أمام وضوح وإعجاز الإسلام في رفضه لهذه الموبقات التي تضر ليس مرتكبها فحسب، بل تهدد المجتمع بأسره.
و«الجزيرة».. تفتح ملف هذه السلوكيات المرفوضة، تذكرةً وعبرةً ووقايةً للمجتمع من أخطار هذه السلوكيات، وتحذيراً لمن يرتكبها من سوء العاقبة في الدنيا والآخرة، من خلال رؤى وآراء يقدمها أصحاب الفضيلة العلماء والقضاة والدعاة وأهل الرأي والفكر من المختصين كل في مجاله..
آملين ان تكون بداية للإقلاع عن مثل هذه السلوكيات التي حرمها الله، قبل ان تصل بصاحبها إلى الندم وسوء الخاتمة.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.
بداية يقول فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن محمد آل رقيب رئيس محاكم المنطقة الشرقية المساعد: ما من خلق فاضل إلا حث عليه الإسلام ورغب فيه، وفي المقابل جاء الوعيد الشديد لكل سلوك مشين يرتكبه الإنسان، ومما نهى الإسلام عنه، الغش فهو مأخوذ من المخالفات الشرعية، والمعاصي الكبيرة التي نهى الإسلام عنها، والغش ضد النصح، ومأخوذ من الغشش وهو المشرب الكدر، ويكفي ما جاء في التحذير من الغش من أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قال: (من غشنا فليس منا) فيكفي ذلك الوعيد الشديد، والتحذير الأكيد والذي يبعد صاحبه عن هدي الرسول- صلى الله عليه وسلم- الكامل، ومنهجه القويم، والغش لا يتعاطاه إلا من ضعف إيمانه، وسهل عليه الحرام.
وللغش صور شتى وأنواع عديدة، أخطرها حينما يغش الإنسان الناس في عقائدهم ودينهم ففي ذلك افتراء على الله سبحانه وتعالى، وعلى رسوله- صلى الله عليه وسلم- خاصة حينما يجمل لهم العقائد الباطلة بأحاديث مكذوبة على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأما الغش التجاري فله حالات عديدة، ومن ذلك الكذب والتدليس حينما يقدم الرديء على أنه جيد سعراً ونوعاً، كما أو أن يخلط الرديء بالصالح ويخفي عيوب السلعة، ويبرز الوجه الحسن منها، كما في الحديث الذي رواه أبو هريرة- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مر على صبرة طعام فادخل يده فيها فنالت أصابعه بللاً، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؟ من غشنا فليس منا).
أنواع الغش
ويضيف فضيلة الشيخ آل رقيب: ومن الغش والتدليس أيضاً أن يذكر البائع أن السلعة دخلت عليه بمبلغ أكبر من المبلغ الحقيقي ليوهم المشتري أنها من الصنف الغالي أو أنه يريد مكسباً فوق هذا المكسب، ومنه أيضاً أن يذكر البائع أن هذه السلعة جاءت من البلد الفلاني خلاف الواقع بقصد نسبة السلعة إلى البلد المشهور في جودة الصناعة أو في الزراعة.
والغش لا يتوقف على البائع وحده فالمشتري قد يغش البائع وهناك صور عديدة لذلك من أبرزها الرسول- صلى الله عليه وسلم- في النهي عن تلقي الركبان لأنهم يجهلون قيمة ما يحملونه فيتلقاهم المشتري، ويستغل جهلهم بشراء بضاعتهم بأقل من سعرها الحقيقي، ولا يقف الغش عند حد البيع والشراء فهناك من الآباء من يغشون أولادهم وأوزواجهم حينما يضعيون الأمانة فيجلبون لهم ما يفسد دينهم وأخلاقهم من توفير أجهزة المجون والعري، أو السفر بهم أو تسهيل الخلطة مع الأجانب وغير ذوي المحرم يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (أيما عبد استرعاه الله..).
ومما يقع الناس فيه من الغش، وتنجم عنه المشاكل، والنهاية بالطلاق، والشقاق إخفاء عيوب الزوجين من قبل أهلهما قبل الزواج، وخاصة بعض الأمراض والعيوب، لذا وجب على المسلمين التحلي بالأمانة لأنها صفة من صفات المؤمنين: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}، ولأن الأصل في المسلم النصح والتناصح فيما بينهم، وليس الغش والكذب وإيقاعهم فيما لا يرغبون فيه.
الغش آثار وأخطار
من جانبه يقول الشيخ خالد بن جريد العنزي الداعية بمركز الدعوة والإرشاد بمكة المكرمة: أمرنا رسولنا الكريم- صلى الله عليه وسلم- بكل خلق حميد ونهانا عن كل خلق ذميم ومما نهانا عنه من الأفعال الذميمة والأخلاق السيئة، الغش فقال عليه الصلاة والسلام: (من غش فليس مني) وفي رواية أخرى: (من غشنا فليس منا)، والمعنى أن من غش أخاه وترك مناصحته، فإنه قد ترك اتباعي والتمسك بسنتي كما ذكره الخطاب.
والغش الذي حذر منه النبي - صلى الله عليه وسلم - يشمل جميع أنواع الغش فليس المقصود صاحب الطعام الذي أصابته السماء فلم يظهره للناس ، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما هو مقرر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية( من غشنا فليس منا كلمة جامعة في كل غاش)، والغش من كبائر الذنوب فمن ترك هذه الكبائر يكون منا، فكل مؤمن كامل الإيمان فهو من النبي- صلى الله عليه وسلم- والنبي منه.
والغش أصبح بهذه المرتبة من السوء لأنه يفتح أبواب الغدر والخيانة والكذب، فلا يمكن أن يصل الغشاش إلى ما يريد إلا بهذه الوسائل والطرق المحرمة.
فالغشاش مخالف للقواعد والنصوص الشرعية مخالف لقول الله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ}، وغيرها من النصوص التي في معناها، ودخل في قوله: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}، وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) متفق عليه.
ويضيف الشيخ العنزي: والغشاش خالف الهدي فأصبح معول الهدم في صفوف أمته فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، لكن المسلمين ليسوا في سلامة من شره، فالغشاش ليس مؤتمن على دم ولا مال ولا عرض.
والصحابة الأبرار، الكرام الأخيار بايعوا النبي- صلى الله عليه وسلم- على النصح لكل مسلم كما في حديث جرير بن عبدالله قال- رضي الله عنه-: (بايعت النبي- صلى الله عليه وسلم- على النصح لكل مسلم) كما في الصحيحين، لكن الغشاش لم يلتزم في بيعته فطغى عليه الشيطان، وتمكنت منه النفس الأمارة بالسوء، وغرته الدنيا والحياة فسار بنفسه إلى الهلاك.
والغش خلاف النصح فالنصح التصفية والتنقية من الشوائب، وأما الغش فهو تعمد وضع الشوائب أياً كانت سواء شوائب فكرية أو عقدية أو في باب المعاملات والسلوك وهذا خلاف الإسلام المبني على النصيحة كما ورد في حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري إذ قال: سمعت النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: (الدين النصيحة، ثلاثاً، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).
فالواجب على من أراد نجاة نفسه تنقيتها وتصفيتها من كبائر الإثم وموبقات الأقوال والأعمال ليحصل له الفلاح دنيا وأخرى {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَاوَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}.
أعظم الغش
أما الشيخ حمد بن إبراهيم الحريقي الداعية بفرع وزارة الشؤون الإسلامية بمنطقة القصيم فيقول: الغش هو ألا تمحض لأخيك النصيحة، وهو- أي الغش- ما يخلط من الرديء بالجيد، وقال الكفوي: الغش سواد القلب، وعبوس الوجه، والغش أنواع فهناك الغش في البيوع وغيرها من المعاملات، وهناك الغش في النصح، وهناك الغش للرعية- أيا كانت هذه الرعية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (أيما راع غش رعيته فهو في النار) كما رواه مسلم في صحيحه.
والغش والعياذ بالله من كبائر الذنوب، فالغش في اليبوع يعده بعض العلماء كبيرة، حيث ورد في الأحاديث نفي الإسلام عن الغاش مع كونه لم يزل في مقت الله تعالى، وقد قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: (من غش فليس منا)، وكذلك الغش بالنصيحة أمر محرم، أما غش الرعية فقد عده الإمام الذهبي كبيرة من كبائر الذنوب، وقد قال- صلى الله عليه وسلم- (ما من راع يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة) رواه البخاري، ومفهوم الغش مفهوم واسع، فكل ما لم يصدق فيه المرء من نية، أو قول، أو عمل فهو غش، وكلمة الرسول- صلى الله عليه وسلم- عامة في الحديث: (من غش فليس منا)، والغش يدل على خبث النفس، وظلمة القلب، وسواد الفؤاد، وقلة الديانة.
ويضيف الشيخ الحريقي: وأعظم الغش أن يغش الإنسان نفسه فلا يصدق لها في النصيحة، ولا يقيمها على دين الله، ولا يهذبها بالشرع، ولا يزكيها بالهدى، وقد قال سبحانه:{قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَاوَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا}، والذي غش نفسه لا شك أن مصيره للخيبة، والخسران في الدنيا والآخرة، وقد قال- جلا وعلا- {أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللّهِ كَمَن بَاء بِسَخْطٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }.
أما الغش في التجارة، والبيع، والشراء، والمعاملات بين الناس فما أكثرها وخصوصاً في هذا الزمان، وقد صح عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعاً فيه عيب إلا بينه له) بل أمرنا رسولنا- صلى الله عليه وسلم- بالوضوح بالبيع، وعدم كتم عيوب السلعة، والحذر من الغش، وبين أن الغاش منزوع البركة في ماله، قال- صلى الله عليه وسلم- (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدق البيعان وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ويمحقا بركة بيعها) متفق عليه.
ومن صور الغش في البيع بخس الكيل والميزان، وإنفاق السلعة بالحلف الكاذب، وما أكثر ذلك في مجتمعات الأسواق، وفي الحديث ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (وذكر منهم) رجلاً باع سلعته بعد العصر فحلف بالله لآخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك، متفق عليه.
وهناك غش من نوع آخر لا يقل خطراً وهو الغش في الدعوة إلى الله تعالى مثل ما يحدث من بعض الجماعات الذين يبينون للمدعو أنهم هم أهل الحق، وما عداهم ليسوا على حق فهم المتبعون للسنة المتمسكون بكتاب الله وهم الفرقة الناجية، وهم كذا وكذا، بل ربما قاموا بالتحذير من فلان وعلان من المسلمين بأعيانهم وحذروا منه ومن أعماله والواجب أن تكون الدعوة خالصة لله تعالى يدعى فيها إلى التمسك بكتاب الله وسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بفهم السلف الصالح- رضوان الله عليهم أجمعين-.
وهناك الغش من الموظف بالتقصير في عمله، وعدم القيام به على الوجه المكلف به، وعدم الصدق، والنصيحة في عمله، وربما يكون الغش باختيار الموظف الذي لا يصلح، وتكليفه بأمور لا يقدر عليها، أو ليس أهلاً لها، والغش أيضاً في عدم العدل مع الموظفين، والغش في الترقيات، وفي الترشيحات، والانتدابات، والتقارير وغيرها.
ويعدد الشيخ الحريقي مضار الغش فيقول: يكفي من مضار الغش وآثاره أنه طريق موصل إلى نار جهنم والعياذ بالله، بل صفة من صفات الكفار، ودليل على دناءة النفس، وخبثها، والغاش بعيد عن الله، وعن عباد الله، ولا يستجيب الله تعالى دعوة الغاش، ويحرم من بركة ماله وعمره، كما أنه دليل على نقص الإيمان، ومن آثاره أنه يورث غضب الله، وسخط الناس على هذا الغاش الذي خدعهم وغشهم، وكذب عليهم.
أما طرق العلاج من هذا الداء فكثيرة منها تقوية الإيمان في النفس، واستشعار المراقبة من الله تعالى وأن الله تعالى يعلم السر وأخفى، والتطبيق العملي للصدق وبيان آثاره الحميدة، وذم الغش وبيان خطره على الناس من قبل الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، وقيام الدعاة والخطباء بتوعية الناس حول أخطار الغش على الفرد والمجتمع، والتوضيح أن الغش عام وليس خاصاً، حيث يعتقد البعض أن الغش في البيع فقط، والتشهير بالغشاشين خصوصاً الغش على فئام من الناس، وذلك ليرتدع الجميع، وينأوا عن هذا السلوك المشين.
من غشنا فليس منا
وتبدأ الدكتورة نجمة بنت أحمد المالكي عميدة كلية التربية للأقسام الأدبية بالطائف حديثها بقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: (من غشنا فليس منا) من منطلق الحديث الشريف ومن فطرتنا التي فطرنا الله عليها نحن كمسلمين نعلم أن الغش من الكبائر المحرمة لما فيه من الإضرار بالمسلمين ومن خلال معايشتنا لواقع المسلمين نجد انتشاره بشكل يكاد يكون ظاهرة تملكت الكثير من ضعاف النفوس ناتجة عن الأسباب التالية:
1 - ضعف الوازع الديني وعدم مراقبة الله والخوف منه.
2 - قد يكون لأسباب معنوية بغرض لبس الباطل بثوب الحق.
3 - قد يكون لأسباب مادية بغرض إخفاء العيوب كأن تكون في السلعة وخلط الجيد بالرديء أو زيادة السلعة بما ليس فيها بما يزيد في وزنها.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} من الآية الكريمة يتبين مدى الأضرار المترتبة على الغش لما فيه من أذى للمسلمين مما يجعل مرتكبه عدواً للأمة الإسلامية وخارجاً عليها، ولما للغش من أضرار سابقة فإنه لابد أن يكون هناك طرق لعلاجه وتتمثل تلك الطرق في: تربية الضمير: إذ يعد الضمير الأساس الهام من أسس تربية الخلق وهو الوازع النفسي الذي يكون للإنسان بمثابة مرشد السلوك في الحياة يبصره بعواقب أفعاله، والعبادة: قال تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} فالعبادات تهذب النفس البشرية وشهواتها وسلوكها، والتربية داخل الأسرة: فالأسرة لفرد منذ أن كان طفلاً في مراحل نموه الأولى حيث تغرس فيه بذور الأخلاق القائمة في محيط الأسرة.
السلوك المحرم
من ناحيتها تؤكد د. منيرة بنت عبدالله القاسم الأستاذ المساعد بكلية التربية للبنات للأقسام الأدبية بالرياض أن الغش يجمع كل أطراف السوء، ومنها النفاق والكذب وخيانة الأمانة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان) وقال عليه الصلاة والسلام: (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)، ويذكر ابن حجر في جامع العلوم والحكم: (أن النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر، وإظهار الخير وإبطان خلافة). والنفاق في الاصطلاح كما عرفه الجرجاني: (إظهار الإيمان باللسان وكتمان الكفر بالقلب)، فالكذب وإخلاف الوعد وخيانة الأمانة لا شك أنها غش للآخرين، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من غشنا فليس منا) أي ليس من المؤمنين، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
فما هي أسباب الغش ودواعيه؟ تجيب د. القاسم عن هذا السؤال فتقول: أول هذه الأسباب وأهمها ضعف الإيمان، وافتقاد مراقبة العبد لله ، وإلا ما تجرأ على الله وغش نفسه وغش الناس، سواء كان بالقول أوبالعمل.
ثانياً: حب الدنيا باجتلاب النفع واستدفاع الضر، لذا يلجأ ضعاف النفوس إلى الغش والكذب والخداع، لنيل ما يريدون من مطامع الدنيا، إما مال أو جاه، أو سمعة أو مكانة في المجتمع إلخ، ولكن الغاية لا تبرر الوسيلة فمهما كانت الأهداف لدى الشخص إلا أن الغش لا يبرر كوسيلة للوصول إليها.
ثالثاً: سوء التربية وفساد البيئة، فالإنسان لا يولد غشاشاً أو كذاباً، وإنما يكتسب هذه الصفات من خلال مجتمعه وبيئته التي تربى وترعرع بها، فقد يكون من حوله يحملون هذه الصفات السيئة فيمارسون الغش والكذب والخداع وكأنها مسوغات للوصول لمراميهم ودلالة على البراعة والذكاء، فيألفها وتصبح عادة له.
رابعاً: ومن الأسباب التي تساعد على ممارسة الغش وانتشاره التساهل في معاملة الغشاشين والتغاضي عن سوء أفعالهم، وعدم معاقبتهم أو رفض سلوكهم المشين، فمن أمن العقوبة أساء الأدب، والسلطة تتمثل في الوالدين أولاً ثم المدرسة ورئيس العمل والمسؤولين.. إلخ.
خامساً: الرغبة في إيذاء الآخرين، بسبب الحقد والحسد والغيرة، فقد كذب إخوة يوسف عليه السلام بسبب غيرتهم من يوسف وحسدهم له.
وتعدد د. منيرة القاسم بعض النتائج والآثار السلبية للغش فتقول: ومن أهمها سخط الله سبحانه وتعالى وغضبه على العبد الغشاش المخادع الكذاب، فالغش دليل على نقص الإيمان بالله العليم وعلامة من علامات النفاق، وسبب في حرمان إجابة الدعوة وحرمان البركة ونزعها من الرزق والعمر، لأنه من كبائر الذنوب، وقد يؤدي هذا السلوك الحرام إلى الفضيحة والعار في الدنيا فضلاً عنها في الآخرة، إضافة إلى فقدان الثقة بأصحاب هذه الصفات- التي حذر منها الرسول- صلى الله عليه وسلم- وكراهيتهم والنفور منهم والسخط عليهم ومن مضاره أيضاً أنه يؤدي إلى ظلم الناس وضياع حقوقهم وغبنهم، لذا فإن الاتصاف بالغش دليل على دناءة النفس وخبثها مما يورث فساد الدين والدنيا، لأنه من أعمال المنافقين والفسقة والمجرمين، المروءة والجمال والبهاء، وفي الغالب فإن مثل تلك السلوكيات المرفوضة تورث المهانة والمذلة، وقد يمقت الشخص نفسه ويحتقرها، فضلاً عما تتركه من ذكرى خبيثة في نفس صاحبها، ونتيجة لما سبق فإن الكذب والخداع والخيانة وقلة الأمانة والنصب والاحتيال.. وكل ما يمكن إدراجه تحت مسمى الغش: سبب لدمار صاحب هذه الصفات، وتحطيم لدعائم المجتمع المسلم المتكافل المسالم.
وحول طرق الوقاية والعلاج من منظور الإسلام الحنيف، تقول د. منيرة القاسم: يمكن تلخيص ذلك فيما يلي:
* تربية الناشئ منذ نعومة أظفاره على الأمانة ومخافة الله في السر والعلن، وهذا يتطلب من المربين تعريفه بالله أولاً وأنه مطلع على السرائر، وبيان عظم هذا الذنب وما يؤدي إليه من نتائج خطيرة في الدنيا والآخرة، وأن أول المتضررين منه هو الفرد نفسه الذي غش وخادع وكذب على الله.
* حفظ الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة التي تذم هذه الصفات وأصحابها وبالمقابل تلك الآيات والأحاديث التي تدعو إلى الصفات المناقضة الحميدة كالأمانة والصدق وغيرها.. وفهمها واستيعابها واستشعار معانيها ونشرها بين الناس بمختلف الوسائل والوسائط، وهذه مسئولية كل فرد في المجتمع قادر على ذلك.
* أخذ العظة والعبرة من القصص القرآنية والنبوية والتاريخية التي تناولت موضوع تلك الصفات وعرضها أمام أفراد المجتمع، خاصة والناشئة والشباب.
* التطبيق العملي للأخلاق الحميدة من قبل البالغين والمربين والعلماء والمسؤولين وكل فرد يمكن أن يكون قدوة في نفسه.
* عدم ترك الغشاشين والمخادعين يعيثون في الأرض فساداً، فلابد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأمر يحتاج إلى وقفة مِن كل مَن تقلد مسؤولية في رعية، وهذا يتطلب الأخذ على أيديهم ووضع عقوبات مناسبة ورادعة حتى لا يستفحل الأمر ويصبح المجتمع كله موصوفاً بتلك الصفات.
عوامل الغش
أما الأستاذة أمل بنت فهد الجليل المعيدة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فتقول: تتعدد العوامل المؤدية للغش، ولعل من أبرزها ضعف الصلة بالله، ووجود خلل في التنشئة الاجتماعية، وغلبة الأنانية وحب الذات والتعلق بالدنيا وزينتها فكل هذه العوامل تؤدي إلى ضعف الأمانة والصدق وحب الخير للآخرين، وتدفع إلى الحيلة والخيانة والغش في سبيل تحقيق مطامع شخصية دون النظر إلى ما يترتب على ذلك من الشحناء والبغضاء وإلحاق الضرر بمصالح الآخرين.
ولعلاج هذا الداء لابد أن تقوم الأسرة بدورها ومسؤوليتها في تأكيد خلق الأمانة وحب الخير للآخرين مع الحرص على نزع الأنانية وزرع الأمانة والصدق في نفوس أبنائها من خلال الحوار والقصة والقدوة في السلوك، وتشترك في هذه المسؤولية جميع مؤسسات التربية والتوجيه كالمدرسة والمسجد والمراكز والجمعيات الخيرية.
ومن يضبط غاشاً فلابد من إيقاع العقوبة الشرعية عليه ليكون ذلك رادعاً له ولغيره ممن يسلكون هذا المسلك المرفوض.


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved