اتصل بي عددٌ من الدارسين للأدب، والمتخصصين في تاريخه بعد أنْ شاهدوا إحدى حلقات برنامجي التلفازي، (وهج المشاعر) الذي عرضَتْه قناة قطر الفضائية في شهر رمضان الماضي، وهي حَلْقة خاصة بالسموأل، أوردتُ فيها بعض أخباره التي روتها لنا كتب التاريخ، وألقيت فيها قصيدته الشهيرة التي تشتمل على عددٍ من القيم والآداب وصورٍ من الفروسية والبطولة، وهي قصيدة يتداول الناس بعض أبياتها كقوله: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداءٍ يرتديه جميل وقد استمعت إلى رأيين متناقضين ممن اتصل بي؛ أحدهما يشيد بالمعلومات التي قدَّمتها، ويؤكد لي إعجابه بقصص وفاء السموأل، وبأبيات قصيدته الشهيرة، ويشجع على الاستمرار في تقديم حلقات هذا البرنامج الذي ينقل إلى الناس عبر الفضاء روائع الأدب العربي القديم والحديث في وقتٍ ضعف فيه اتصال كثيرٍ من المسلمين بأدبهم ولغتهم، وثاني الرأيين يشير إلى عدم صحَّة ما نُسب إلى السَّموأل من الوفاء، وإلى تشكيك بعض رواة الشعر ومحققيه في قصيدة الوفاء المنسوبة إلى السموأل بن عادياء. وكان من أبرز من خاطبني مباشرةً في هذا الشأن أستاذي الذي درَّسني في المرحلة المتوسطة في المعهد العلمي في الباحة (صدقي البيك) حيث كان رأيه واضحاً في نفي ما نُسب إلى السموأل من قصص الوفاء، وفي عدم صحَّة نسبة القصيدة إلى السَّموأل، وعدم صحَّة القصَّة الشهيرة التي تتحدَّث عن وفاء السموأل مع (امرئ القيس) الذي ترك عند السموأل أهله وأدراعَه أمانة حتى يعود من رحلته إلى ملك الروم، وقد حاول الملك الحارث بين ظالم أن يغري السموأل بتسليم أمانة امرئ القيس إليه فأبى، ثم هدَّده بقتل ابنه إذا لم يعطه ذلك فأصرَّ السموأل على موقفه مضحياً بابنه الذي قتله الحارث بن ظالم. كلُّ ذلك يرى أستاذنا (صدقي) أنَّه منحولٌ غير ثابت، مشيراً إلى أنّ بعض كتَّاب تاريخ الأدب كشوقي ضيف في كتابه (العصر الجاهلي) يؤكد أنّ قصة السموأل مع امرئ القيس (أسطورة) لا أساس لها من الصحة، وهو منقول عن ابن قتيبة وغيره.وحينما حاورت الأستاذ (صدقي) في هذا الموضوع قال لي: إنه كتب في هذا الموضوع مقالاً نُشر في مجلة (الأُمَّة) القطرية التي توقفت عن الصدور منذ سنوات في عدد جمادى الأولى عام 1403هـ بعنوان (السموأل وأسطورة الوفاء)، وأنّ الشيخ حمد الجاسر - رحمه الله - حينما اطَّلع على مقال الأستاذ صدقي ردَّ عليه في جريدة الرياض في عدد يوم الجمعة الثالث والعشرين من رجب عام 1403هـ، موضِّحاً حقيقة وجود السموأل، ووجود آثار قصره الفاره الضّخم (الأبلق) شاهدةً على أنّ الذين ينفون ما روى التاريخ عن السموأل، ويشككون في قصيدته لا يعتمدون على أدلّة علمية ثابتة. وقد ردَّ الأستاذ صدقي على مقال الشيخ حمد بمقالٍ آخر مؤكداً عدم صحة ما نُسب إلى السموأل. وأقول: إنَّ اختلاف التلميذ مع أستاذه لا يفسد للتَّلْمذةِ قضية.فإنني من خلال اطِّلاعي على ما كتبه الأستاذ صدقي والشيخ حمد الجاسر، أرى أنَّ اعتماد معظم من نفى قصص الوفاء عن السموأل قائم على إثبات أنّه يهودي غير عربي وأنَّ اسمه الحقيقي (صموئيل بن غريض بن عادياء) وأنّ الاسم الحقيقي لأخيه (شَعْيَة بن غريض) هو (أشعيا) وهو اسم عبراني، وما دام السموأل يهودياً - أصلاً وفصلاً - فهو غير جديرٍ بما نُسب إليه من قصص الوفاء، فإنَّ من عادة اليهود الغدر والبخل وعدم الوفاء بالعهد. مع أنّ الشيخ حمد الجاسر لا يوافق من قالوا بعدم صحة النسب العربي للسموأل. وأقول: إنَّ ما عُرف من طباع الغدر اليهودي، وما ثبت عنهم في القرآن الكريم من الغدر بالأنبياء والرسل حقيقة ثابتة تؤكدها الأيام، ولكنَّ ذلك لا يعني أنَّ كل من اعتنق ديانتهم لا بد أن يكون غادراً خائناً غير وفيّ، خاصة وأنّ الشيخ حمد الجاسر يقول: (ولا أرى أنّ التسمِّي باسم غير عربي يعتبر دليلاً مقنعاً بأنّ المسمَّى كالسموأل أو غيره ليس من أصل عربي، فإنّ علماء النسب ممن اطَّلعتُ على كتبهم يجمعون على أنّ السموأل عربيّ الأصل، يهوديّ الدين وأنّه من قحطان). بينما يعتمد الأستاذ صدقي في نفي الوفاء عن السموأل على عدم صحة نسبته إلى العرب، وأنّه من يهود بني إسرائيل، وهم أهل الغدر والانحراف الخلقي حيث يقول: (وكيف يستقيم هذا الفخر الذي تبدأ به القصيدة المنسوبة إلى السموأل مع المألوف من حياة اليهود من بني إسرائيل وطباعهم، هذا الفخر بطهارة العرض وبُعده عن الأذى، وطهارة النساء والرجال، وصفاء الأصل، بعيد عن واقعهم ومبادئهم ونصوص كتبهم، وليس أدلَّ على ذلك من سِفْر (إستير) في توراتهم). نعم لقد ضرب الله الذلَّة والمسكنة على بني إسرائيل بسبب عصيانهم المستمر لربهم، ومواجهتهم العدائية لأنبيائهم ورسلهم، وهم كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكنَّ قصة وفاء السموأل خاضعة لاختلاف الرأي حول صحة نسبته إلى العرب، أو إلى بني إسرائيل، وهذا الاختلاف لا يجعل رأي من يرى صحّة تلك القصة، وصحّة نسبة تلك القصيدة إلى السموأل رأياً خاطئاً، وهذا ما يجعلني أميل إلى عدم التشدُّد في نفي ما روي عن السموأل من الوفاء، مادامت الأدلة والشواهد متأرجحة بين الإثبات والنّفي، فإنّ ثبوت وفاء السموأل (اليهودي) لا يعني تزكية أخلاق اليهود أبداً. أُحيي أستاذي الكريم (صدقي البيك) الذي لفت نظر تلميذه إلى هذا الموضوع الشائق الجميل. إشارة:
يقول السموأل في قصيدته: إذا سيِّد منا خلا قام سيِّد قَؤول لما قال الكرامُ فَعُول |
|