Tuesday 11th January,200511793العددالثلاثاء 30 ,ذو القعدة 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

الأزمنةالأزمنة
المشوار الدراسي (الثاني) ما بعد حِلقِ المساجد - 5 -
عبدالله بن عبدالعزيز بن إدريس

حين افتتح (المعهد العلمي بالرياض) وهو أول المعاهد، عام 1370هـ وكنت حينذاك مدرساً في المدرسة الفيصلية الابتدائية.. لم أتردد في تقديم استقالتي إلى مدير المدرسة الأستاذ صالح الرزيزاء - حفظه الله - وتقدمت بطلب الالتحاق بهذا المعهد دارساً.. فقبلت، على شرط خضوعي للاختبار كجميع الذين انقطعوا عن الدراسة في الحلق العلمية بالمساجد.. بعد أن شغلوا بوظائفهم القضائية والتعليمية.. الخ. واختبرت وجميع الملتحقين.. وفق الشرط المشار إليه آنفاً.. وقد ذكرت في الحلقة (3) إشارة إلى ذلك.
رُتِّبتْ الدراسة في المعهد والمعاهد اللاحقة إلى ثلاثة مستويات (تمهيدي) يعني مرحلة ابتدائية.. و(متوسطة) و(ثانوية) وصنفونا نحن الطلبة المتقدمين في دراساتنا السابقة.. في الثالثة والرابعة ثانوي.. وبنجاحنا من هذه المرحلة عام 1373هـ افتتحت لنا وبنا (كلية العلوم الشرعية) وكان هذا اسمها عدة سنوات ثم تغيرت إلى (كلية الشريعة).
كان واضعو المنهج الدراسي للمعاهد.. حريصين جداً على أن يعطوا طلابهم شحنة من كل مادة دراسية مقررة على طلاب الابتدائية والمتوسطة والثانوية التابعة لمديرية المعارف العامة لكن لا اختبار فيها.
درسونا إلى جوانب المواد الأساسية لما أنشئت المعاهد من أجله.. كلاً من المواد الآتية:
التجويد، الجغرافيا، الإملاء، الإنشاء، الحساب.. وإلى غير ذلك من المواد غير الأساسية.
لا شك أن المعهد كان على حق وصواب.. في تدريس هذه المواد.. حتى ولو كان الدارسون على مستوى متقدم في العلوم الأساسية.. فإن كثيراً منا لم يدرسوا هذه المواد بالتوسع النسبي المطلوب قبل دخولهم المعهد.. وبخاصة في مرحلتيه المتوسطة والثانوية.
أذكر من جملة أساتذتنا الكبار الذين درسونا (التجويد) و(الجغرافيا) فضيلة الشيخ العلامة (عبدالعزيز عفيفي) والشيخ (محمد علي عبدالرحيم) ومن الذين درسونا الحساب الأستاذ محمد أمين (فلسطيني). ومن الذين درَّبونا على (الإنشاء) الشيخ (حمد الجاسر) - رحمهم الله جميعاً -.
وتم تدريسنا هذه المواد (الرديفة) في الشهور الأولى من افتتاح المعهد.
أتذكر أن أستاذنا حمد الجاسر - رحمه الله - كان يأتينا في الفصل في مادة (التعبير والإنشاء) ويكتب على السبورة (فذلكة) نثرية.. أو (أبياتاً شعرية) أو (قضية اجتماعية).. ويقول (حللوا النص في دفاتركم).. ويذهب إلى فصل آخر فيعطيهم نصوصاً أخرى.. ويتركهم يكتبون على راحتهم.. ثم يعود إلينا.. ويأخذ دفتر مَنْ انتهى من كتابة تحليله.. يقرؤه ثم يعيده إليه.. إما بملاحظات.. أو بالرقم الذي يستحقه على جودة إنشائه وحسن تعبيره. وكان هذا الدرس أخف الدروس علينا. وكان عددٌ منّا ينال نصيباً وافراً من التشجيع.. مثل (بارك الله فيك) (أحسنت وأجدت يا ابني).. وعدد ينالهم شيء من التأنيب.. إذا تكرر فشلهم في إجادة التعبير والتحليل.
(قصر عابدين) أم (الناصرية)..؟!
لو أردت أن أكتب كل أو جل ذكرياتي أيام الدراسة في هذا المعهد ثم في كلية الشريعة، لاحتجت إلى صفحات وصفحات كاملة، بل جل ما قصدته هو تسجيل (بعض) المواقف والطرائف التي ما زالت عالقة في الذاكرة. من ذلك - مثلاً - أن أحد الطلاب، وهو معروف بعدم الرزانة.. تشاكس مع أحد الأساتذة المصريين.. حين افتخر الطالب (بقصور الناصرية) وقال للأستاذ المصري (أنتم ما عندكم مثل القصور اللي في الناصرية) فاستشاط الأستاذ، وردَّ ويده ترتجف غضباً قائلاً: (يا ابني ما تقارنش ناصريتكم ب(حمامات) قصر عابدين، مش القصر بذاته..) فقام بعض الطلاب وطلب من زميله أن يسكت.. فسكت.. إلا أن الأستاذ أصبح يغلي ويتمتم بكلمات غير مسموعة ووصلت الحادثة إلى جميع الأساتذة.. وكادت هذه الكلمة الفجة من الطالب والرد الأحمق من الأستاذ تسبب ما لا تحمد عقباه لولا اعتذار عقلاء الطلاب ثم بعض الأساتذة عند انتهاء الحصة.
النادي الأدبي بمعهد الرياض
(كان أول نادٍ أدبي ينشأ في مؤسسة علمية، قبل إنشاء (الأندية الأدبية) بسنوات عديدة - هو (النادي الأدبي للمعهد العلمي والكليات) الذي أنشأه أستاذنا حمد الجاسر بالاتفاق مع المدير العام للمعاهد العلمية والكليات الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم، وكان ذلك في حوالي عام 1373هـ وإن لم تكن مهمته مطابقة لمهمات النوادي الأدبية التي أنشأها الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز الرئيس العام لرعاية الشباب عام 1395هـ - رحمه الله - . (ملامح عن ثقافة منطقة الرياض قبل الأندية الأدبية) (1).
كان للنشاطات المنبرية في هذا النادي من التأثير الذهني والفكري على عقول الشباب ما لا يقدر قدره إلا من عايش تلك الحقبة الرائعة حيث كانت حيوية الشباب في ذلك الزمان لا تقاس بما هم عليه الآن، حينما أخذتهم النعمة والراحة وضعف الاهتمام بالتحصيل العلمي.
كنا، شباب النادي في ذلك الوقت نتمتع بحرية في الكلام، وجرأة عجيبة في تناول قضايا سياسية واجتماعية وثقافية لا تخص الحياة في المملكة فحسب.. بل تتناول قضايا الأمة العربية والإسلامية. ولم نستدعَ يوماً (للمباحث) أو غيرها.. لمساءلتنا عما قلنا وكتبنا من شعر ونثر لعل السبب في ذلك (بياض) قلوبنا.. وسلامة نياتنا.. وحماستنا الشديدة لقضية (فلسطين) والعدوان الإسرائيلي المؤيد من أمريكا والغرب عامة.
والأهم من ذلك في مهام هذا النادي أن الغرض من إلقاء القصائد والكلمات على منبره هو التعويد على (الخطابة) وارتجال بعض الكلمات والتعليقات من الطلاب بعضهم على بعض ثم التعليق على الكل من بعض الأساتذة والمسؤولين.
استمر هذا النادي تحت رعاية الشيخ حمد الجاسر ورئاسته إلى أن زار الرياض في عهد الملك سعود - رحمه الله - (جواهر لال نهرو) رئيس وزراء الهند حينذاك.. فكتب الجاسر افتتاحية صحيفة (اليمامة) بعنوان (مرحباً برسول السلام)!
وكان لهذا العنوان ردة فعل عنيفة من العلماء.. الذين اشتكوا حمد الجاسر إلى الملك سعود بأنه (جعل هذا الهندوسي رسول السلام) فتداعى الحدث وفصل الشيخ حمد الجاسر من عمله كمدير عام مساعد للمعاهد والكليات وأسندت رئاسة النادي بعده إلى كاتب هذه السطور. للحديث صلة.

(1) تأليف الكاتب والدكتور محمد الشويعر والدكتور منصور الحازمي.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved