إن شعبنا السعودي النبيل من منطلق إيمانه بثوابته الإسلامية وقيمه العربية يرفض الإرهاب بكافة صوره وأشكاله، ولن يسمح لفئة من الإرهابيين المنحرفين أن يمسوا الوطن وسلامة أبنائه والمقيمين فيه ولن يسمح - إن شاء الله - بوجود فكر ضال يشجع الإرهاب ويغذيه حتى عندما يحاول هذا الفكر الضال التظاهر بالتدين.. والدين الحنيف من الإرهاب وفكر الإرهاب براء، وإن هذه الأمة قد توحدت على ضرورة القضاء على كل مظاهر آفة الإرهاب وهي قادرة بحول الله وقدرته وتعاون مواطنيها على تحقيق ذلك. وإذا كنا نرفض التدخل في شؤوننا الداخلية من أي جهة كانت وتحت أي ذريعة نحن حريصون كل الحرص أن تظل كل شؤوننا الداخلية عرضة للمراجعة الذاتية التي لا تستهدف سوى الإصلاح، والإصلاح ضالة المؤمن لا ينبغي أن يثنيه عنه ما يردده المتصيدون في الماء العكر من أن محاولات الإصلاح هي استجابة لضغوط خارجية، والحقيقة التي تعرفونها ويعرفها الشعب السعودي كله هي أن مسيرة الإصلاح لم تنقطع وسوف تستمر بإذن الله. وقد لمس الشعب السعودي ما تم على صعيد الإصلاح في ميادين حياتنا السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية وسوف أكتفي بأن أستعرض معكم موجزا لما تم الوصول إليه تاركا التفاصيل التي لا يتسع لها المقام. لقد كنتم أيها الإخوة أعضاء المجلس شركاء حقيقيين للحكومة في مجال التطوير السياسي والإداري وأود أن أشير هنا إلى أن عددا من المبادرات المتعلقة بإعادة الهيكلة الحكومية ولدت في مجلسكم ثم نوقشت ودرست باستفاضة وجاء التشكيل الوزاري الجديد مجسدا بعض هذه المبادرات ولا زال البعض الآخر في طور الدراسة، ولا يفوتني أن أنوه بأهمية الأنظمة المتعلقة بالتقاضي والإجراءات الجنائية وهي أنظمة درسها مجلسكم الموقر بعمق وصدرت - بحمد الله وتوفيقه - مستهدفة تسهيل إجراءات التقاضي وإيصال العدالة إلى المواطنين وحمايتهم من تجاوزات السلطة العامة وفي السياق نفسه صدرت الموافقة بقيام جمعية أهلية تعنى بحقوق الإنسان هذه الحقوق التي كان الإسلام أول من نادى بها وسيتبعها - بحول الله - إنشاء مؤسسة حكومية تعنى بالحقوق نفسها حتى تتضافر جهود الدولة والمواطنين لحماية الكرامة التي أرادها الخالق - عز وجل - للبشر أجمعين والعزة التي أرادها جل شأنه لعباده المؤمنين. وأحب أن أؤكد لكم أننا سنستمر في طريق الإصلاح السياسي والإداري وسنعمل على مراجعة الأنظمة والتعليمات وأحكام الرقابة على أداء الأجهزة الحكومية وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية وفتح آفاق أوسع لعمل المرأة في إطار تعاليم الشريعة الغراء، وغني عن الذكر أن مجلسكم الموقر سوف يقوم بدوره الكامل في تحقيق الإصلاحات المنشودة. وفي المجال الاقتصادي قامت الدولة بمبادرات عديدة تستهدف تحرير الاقتصاد من العوائق الروتينية وتشجيع المستثمرين من الداخل والخارج وتخصيص المرافق الاقتصادية وتمليكها للمواطنين والعناية بقطاع السياحة ومراجعة الأنظمة الضريبية، ولا أدل على اهتمام الحكومة بالاقتصاد من إنشاء المجلس الاقتصادي الأعلى وإنشاء وزارة للاقتصاد والتخطيط.. إن الإصلاح الاقتصادي عملية مستمرة طيلة الوقت وهي عملية بالغة الأهمية يتوقف على نجاحها نجاح التنمية الاقتصادية وتحسن أوضاع المواطن المعيشية. ولا يفوتني والحديث عن الإصلاح الاقتصادي أن أركز على مشكلتين رئيسيتين هما البطالة والفقر، أنتم أيها الإخوة الأعزاء تعرفون تمام المعرفة جهود الدولة لتوطين العمالة ونشر السعودة، كما تعرفون أنه لا بد للتغلب على مشكلة البطالة من جهود إضافية لتوفير المزيد من الفرص التعليمية والتدريبية لأبنائنا ولبناتنا ومن مراجعة التخصصات الأكاديمية بحيث تلبي حاجة المجتمع إلى الفنيين والمهنيين. وفيما يتعلق بمشكلة الفقر قامت الدولة بمبادرة رائدة سلطت الأضواء على المشكلة، وهناك الآن دراسات عميقة لظاهرة الفقر يقوم بها نخبة من الخبراء السعوديين نأمل أن تصل إلى توصيات فعالة يلمس المواطنون - بإذن الله - آثارها الإيجابية في كل مكان إلا أن مسيرة الإصلاح لا يمكن أن تثمر إلا في جو من الوئام الاجتماعي القائم على الوحدة الوطنية، وهنا لا بد من التنبيه إلى أن الوحدة الوطنية تتعارض مع الطروحات المتطرفة وتتطلب أجواء صافية من الحوار الأخوي الهادئ، وإذا كان تبني الخطاب الوسطي المعتدل مسؤولية في عنق كل مواطن فهي مسؤولية تقع في الأساس على عاتق علمائنا الأفاضل الذين نعول - بعد الله - عليهم في نشر التسامح الذي تمتاز به شريعتنا السمحة وفي إنقاذ شبابنا من شر الأفكار المدمرة التي تبث الغلو والكراهية ولا تنتج سوى الخراب والدمار. لقد علمتنا التجارب في شرق الأرض وغربها أن الإصلاح الحقيقي هو الإصلاح النابع من عقيدة الأمة وتراثها.. الإصلاح الذي تقبل عليه الأمة طائعة لا مسوقة.. الإصلاح الذي يتم بتدرج وسلاسة متجنبا السرعة المهلكة والبطء القاتل، وسوف يكون هذا المنهج الإصلاحي - بإذن الله - منهجا نمضي فيه بثقة وإيمان مرددين قوله عز وجل: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ}، ولئلا يجهل أحد جدية الدولة في المضي في الإصلاح على النهج التطويري الذي ارتضيناه وبالمصداقية التي تقوم على الفعل لا القول فإنني أقول لكل مواطن ومواطنة أن لكل منا دورا وعلى كل منا مسؤولية لم يعد هناك وقت للتواكل ولوم الآخرين والتشكيك في صدق ونزاهة من يريد الإصلاح، وأقول لكل مسؤول في الحكومة: إن المسؤولية شرف وتقضي بواجبات ولا تمنح حقوقا، وأقول لكل رجل أعمال: إن الوطن ليس رأس مال وربح فقط وإنما استثمار في أمنه وأمانه، وأقول لكل مواطنة أختا كانت أم أما أم ابنة أم زوجة: إن هذا الوطن للجميع وإن المواطنة الصالحة شريكة في صنع المستقبل كما هو المواطن الصالح، وأقول للمسؤولين عن التعليم بجميع مراحله إنهم هم الحاضنون لأجيال المستقبل وأن المناهج الهادفة الخيرة هي التي تغرس الأفكار والقناعات في الأذهان الغضة والنفوس البريئة لما فيه خير الأمة وصلاحها، كما وأن الخلل في التعليم - لا سمح الله - سبب رئيسي لأي انحراف فكري أو أخلاقي أو عجز عن العمل والمشاركة، وأقول للإعلاميين والمثقفين: إن الإعلام ليس ترويجا وإن الثقافة ليست وجاهة وإن الوحدة الوطنية والحضور على المستوى العالمي مرهون بإعلام مسؤول وحركة ثقافية مبادرة ومتنوعة، وأقول لكل المواطنين: إن من أوجب الواجبات مواجهة ضيق الأفق والإقليمية والفرقة الاجتماعية وهي من الأمور التي يتطلبها ديننا قبل أن تطلبها وحدتنا الوطنية، وأقول لكم أعضاء مجلس الشورى ومثلكم أعضاء مجالس المناطق والمحافظات: إنكم مطالبون بتحسين أدواتكم وأخذ مسؤولياتكم في السياق الذي يجب أن تؤخذ فيه؛ سياق المشاركة ومراقبة أداء الأجهزة الإدارية، وأقول للجميع: إنه لم يعد بيننا مكان لمستفيد من موقع أو مستغل لنفوذ.
(*) كلمة خادم الحرمين الشريفين في افتتاح أعمال الدورة الثالثة للسنة الثالثة بمجلس الشورى. |