أجمع النقاد المنصفون على أن المملكة العربية السعودية منذ نشأتها تقوم على أصول ثابتة ومبادئ أخلاقية عالية عالمية من أبرزها نشر السلام، ونبذ العنف، ومحاربة الإرهاب في داخل المملكة وخارجها، فعلى المستوى المحلي يجب على كل مواطن في العصر الحاضر أن يتذكّر الماضي الذي كانت عليه هذه البلاد قبل توحيدها يوم كانت تفتقد السلام الذي ينشده كل إنسان، وتتسم العلاقات بين قبائلها بالعنف وحب الغلبة والسيطرة، وينتشر الإرهاب على طرقاتها في صور مختلفة: قطاع طرق يسطون على أموال المسافرين، أو يقتلون، أو يخيفون... أو عصابات تهجم على الدور والمساكن والمزارع والمتاجر... أو بغاة يعيثون في الأرض فساداً، لا رادع لهم من عقل أو دين أو سلطة تأخذ على أيديهم... ثم جاء الملك عبد العزيز والناس عطاش للأمن والسلام، فقام يحمل راية الأمن داعيا لهم إلى توحيد قلوبهم وتنقيتها من الخرافات والخلافات والبدع والضلالات، فتم له ما أراد بعد جهاد طويل لكل عنيد، وكل جبار أثيم... وبعون من الله وتوفيق انتشر الأمن في ربوع المملكة، وقامت على رعايته سلطة واعية تطبق شرع الله على من تجاوز حدود الله.. وهكذا استمر الحال في عهد الملك عبد العزيز رحمه الله، ثم في عهد أبنائه الأوفياء من بعده.. وبطبيعة الحال، فإن الأمن في المملكة لم يسلم من المكدرات بسبب تصرفات إرهابية من بعض الجماعات المغرضة أو الجاهلة أو الحمقاء، ولكن الحكومة الرشيدة في هذه الدولة تعالج المخالفات الأمنية بحكمة وروية مستهدية بالكتاب والسنَّة، سعياً إلى تطبيق حكم الله فيمن يعكر صفو الأمن... وفي بداية عهد الملك خالد رحمه الله عام 1400هـ ظهرت في مكة، وفي رحاب المسجد الحرام أكبر حركة إرهابية باسم الدين تدّعي أن أحد رجالها هو المهدي المنتظر، وقامت بقفل أبواب المسجد الحرام على جموع المصلين، وأخذت في إطلاق الرصاص، فأصيب المسلمون بالرعب، وتزعزع الأمن في البلد الحرام... واستطاعت حكومة المملكة بحكمة قادتها، واستشارة علمائها أن تنهي هذه العملية الإرهابية بما يتناسب مع قدسية مكانها، ويتوافق مع تصرفات القائمين بها. وبهذا كانت المملكة العربية السعودية من أول الدول التي عانت من الإرهاب، وحذّرت منه، وعالجته في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية.. ثم ظهرت شراذم ضالة عن المفهوم الصحيح للدين الحق الذي يدعو إلى الأمن والسلام... وأخرى مُضلَّل بها تُكفِّر الآخرين، وتخرج عن طاعة ولاة الأمر، وتستحل قتل الأبرياء... ونتج عن هذه الشراذم بعض التفجيرات في مكة المكرمة في موسم الحج، ثم تفجير العليا بالرياض، ثم حدث تفجير آخر في المنطقة الشرقية لم تكشف وزارة الداخلية عن منفذيه.. والغريب في الأمر أن الرياض تعرض لتفجيرات أخرى محدودة من بعض الجنسيات الأخرى... ثم تعرض في عام 1424 -1425هـ لعدة تفجيرات استهدفت بعض المجمعات السكنية، والإدارة العامة للمرور، ومبنى وزارة الداخلية،... قام بها خوارج هذا العصر.. ومما يؤسف ويحزن أنهم يدّعون الإسلام والإصلاح، وهم أعظم جرما وإفسادا في الأرض.. هذه الأعمال الإرهابية والتفجيرات المنكرة وغيرها دعت هيئة كبار العلماء في المملكة إلى إصدار بيان موقع من جميع الأعضاء يتضمن حكم الإسلام على هذه التفجيرات وعلى من يقوم بها. كان هذا البيان من هيئة كبار العلماء قبل أن تحدث تلك التفجيرات المروعة التي تعرضت لها أمريكا.. ومن المناسب ونحن نتحدث عن الإرهاب والسلام أن نوضح موقف الدولة ومواطنيها المخلصين الواعين لمقاصد الشريعة هو أن هذه الدولة ترفض رفضاً قاطعاً الإرهاب بشتى صوره وأن جميع مواطنيها المسلمين الذين يفهمون قول الرسول صلى الله عليه وسلم حق الفهم، حيث قال: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، يرفضون الإرهاب كذلك، وأن العلماء أصحاب القلوب الطاهرة من الحقد على اختلاف تخصصاتهم يعلنون رفضهم الشديد للإرهاب في أي مكان، وعلى أي جنس كان، منطلقين من تعاليم الإسلام، والموقف الرسمي للمملكة من الإرهاب يؤكده بيان هيئة كبار العلماء فيها، ذلك البيان المتضمن للتنديد بكافة أعمال الإرهاب داخل المملكة وخارجها، والمشتمل على الأدلة الشرعية التي تحرم الإرهاب، وتبين أن من يرتكبه من المسلمين يعد عاصياً لله مفسداً في الأرض، لأنه ارتكب ما حرم الله. وهذا البيان نشر مرات عديدة في وسائل الإعلام المختلفة، ليعلم المسلمون واليهود والنصارى وغيرهم أن المملكة تحارب الإرهاب بكل قوة، ولا ترضاه في أي بلد كان، لأنه يتعارض مع قواعدها الشرعية الثابتة التي تحرم قتل الأبرياء، وإخافة الآمنين، وتدمير الممتلكات والمركبات... صدر هذا البيان قبل أن تحدث تلك التفجيرات المروعة في أمريكا، ثم تتابع نشره وإعلام الناس به للتحذير من التكفير والتفجير بوسائل شتى... إن العلماء في هذا البيان حذروا من التسرع في إطلاق الأحكام لما ينجم عنها من استباحة الدماء وانتهاك الأعراض.. وأوضحوا أن ما يجري في بعض البلدان من سفك للدماء البريئة وتفجير المرافق عمل إجرامي، الإسلام بريء منه.. وأكد بيان هيئة كبار العلماء أن الإسلام حفظ للمسلمين وغير المسلمين أموالهم وأعراضهم وأبدانهم، وحرم انتهاكها. إن بيان هيئة كبار العلماء يؤكد للعالم كافة موقف المملكة العربية السعودية من الإرهاب منذ زمن بعيد، وقبل أن يفاجأ العالم بأحداث الحادي عشر من سبتمبر التي هزت العالم أجمع، وبالأخص المملكة العربية السعودية التي ترتبط بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية... والمملكة تؤكد دوما على أنها ماضية بعزم وقوة على محاربة الإرهاب والتصدي له في الداخل والخارج، وأنها تسعى بكل الوسائل الممكنة إلى نشر السلام والأمن في الأرض كلها، وأنها تنبذ العنف، وتحرم قتل الأبرياء، والإفساد في الأرض.. وإن في هذا البيان، وما تقوم به المملكة من جهود كبيرة في محاربة الإرهاب لذكرى لمن كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد.. وانطلاقاً من تعاليم الإسلام يجب على كل مواطن أن يكون خير معين لدولته في تحسين علاقاتها مع سائر الدول، وأن يحذر أشد الحذر من القيام بأعمال إرهابية تسيء إلى الإسلام أولاً، ثم إلى العلاقات الحسنة التي تربط المملكة العربية السعودية مع دول العالم، فالدولة - أعزها الله - تولي تلك العلاقات رعاية خاصة، تساعدها على سلامة الأمن الداخلي للبلاد، بحسن التعامل مع الدول الأخرى، واحترامها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية... إن المملكة تقوم على المثل العليا في تعاملها في الداخل أو الخارج، فهي تحقق الأمن للضيف بإكرامه، وتسعى إلى نشر الأمن والسلام والمحبة في العالم أجمع بموجب الحديث الشريف:(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه..). والمملكة تعمل على توقير العلماء والكبار وأهل الفضل في داخل البلاد وخارجها بموجب الحديث الشريف: (أنزلوا الناس منازلهم). وجائزة الملك فيصل العالمية التي تحتضنها المملكة وترعاها في كل عام منذ عشرات السنين لهي أكبر دليل على تقديرها واحترامها للعلم وأهله في جميع أنحاء العالم. والمملكة تمنح الأوسمة العالية في الدولة لذوي الفضل والعلماء وكبار الشخصيات وأولي الأعمال الجليلة في داخل المملكة وخارجها، تقديراً منها لإسهاماتهم الكبيرة وبخاصة في تثبيت الأمن المحلي والعالمي. والمملكة العربية السعودية لا تخل أبداً بالعهود والمواثيق، والالتزام بالاتفاقيات التي ارتبطت بها مع هيئات ومنظمات دولية... ذلك أن الوفاء بالعهود والالتزام بالاتفاقيات قاعدة من قواعدها في ترسيخ الأمن داخل المملكة، وفي كافة دول العالم ؛ فالمملكة العربية السعودية تنطلق في تشريعاتها من القرآن الكريم والحديث الشريف اللَّذين يأمران بالوفاء بالعهود، فالله تعالى يأمر بذلك في آيات كثيرة منها قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ}، فالمملكة تعد مضرب المثل في العصر الحاضر في الوفاء بعهودها، وفي تنفيذ التزاماتها مع الدول العربية والإسلامية وغير الإسلامية، لأنها تدرك أن الوفاء بالعهود والاتفاقيات له أثره الطيب على أمن الوطن والمواطنين، وعلى الأمن الدولي.
رئيس قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية |