Saturday 5th February,200511818العددالسبت 26 ,ذو الحجة 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"ملحق الإرهاب"

تحديات البلاغة والإرهابتحديات البلاغة والإرهاب
د. عبد العزيز بن صالح الدعيلج (*)

أولاً: التبليغ والإرهاب
الناقد الجيد، والبليغ المتقن هو من لديه المقدرة على التمييز بين الجيد والقبيح من الكلام معتمداً في ذلك على موهبته الفنية، وإحساسه الدقيق، وخبرته الطويلة بعند الإرهابي الذي يسير في دربه كناقة عشواء لا تكاد تبصر ما هي مُقدِمة عليه من مغبّات الطريق، وقوارع الفتن!
والبلاغة هي التعبير الصادق عن الإحساس الصادق، وهؤلاء فقدوا الصدق في التعبير، ولم يراعوا الإحساس للأمة المسلمة وما تواجهه من فتن وتقلبات، بل خانوا الإحساس الصادق لجسد الأمة الواحد الذي (إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)!
والبلاغة هي التأثير في فؤاد السامع أو القارئ، وإثارة انفعاله، وإحساسه بالمتعة في ضوء ما أمامه من صادق الكلام، وهؤلاء فقدوا جدوى التأثير على الآخرين الأقوياء، بسبب فقدان مصداقية ما يدعون ويزعمون!
إن كانت البلاغة تقوم على عنصر التأثير على الآخرين، فلن تقوم على الهراء، والدجل، وسخيف الآراء، وهامشية الطرح!
البلاغة ليست في إفهام المعنى وحده، فقد يُفهمك المعنى مَن لا يتصف بأنه بليغ، ولكن البلاغة هي: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، ولذلك هؤلاء الضعاف لم ولن يستطيعوا أن يؤثروا على الناس بما يطرحون!
ولئن كانت البلاغة هي التي تُمكِّن المتكلم أن يأسر المخاطبين حينما يخترق ببيانه وأسلوبه ألبابهم وقلوبهم، وإذا كان الناس يشترون العبيد بأموالهم، فإنهم يشترون الأحرار بإحسانهم، فإن هؤلاء لن يستطيعوا أن يأسروا قلوب الناس بما يكتبون ويروّجون، فالحق أبلج، والباطل لجلج!
ثانياً: كتاباتنا والإرهاب
إن المقالة بما لها من المرونة، ومن حرية لكاتبها، تستطيع أن ترود آفاقاً جديدة قبل غيرها من فنون الأدب، إما في دعوة إلى فكرة، أو إشارة إلى وجهة، أو تنبيه لظاهرة، أو عرض لقضية من القضايا، أو مشكلة من المشكلات، فلا عجب إذن أن يؤثرها الأدباء والنقاد على السواء، وهي ذوق العصر ولونه، فالمقال الذي يعبر عنه الكاتب فكرة قبل كل شيء وموضوع: فكرة واعية، وموضوع معين يحتوي قضية يُراد بحثها. قضية تُجمع عناصرها، وتُرتب بحيث تؤدي إلى نتيجة معينة، وغاية مرسومة من أول الأمر.
وسياق المقالة إن كان يحمل السخط، ففي نغمة هادئة خفيفة، هي أقرب إلى الأنين الخافت منها إلى العويل الصارخ، وهي سخط مصطبغ بفكاهة لطيفة، وليس سخطاً يدفع الساخط إلى تحطيم الأثاث وتمزيق الثياب، أي كأنما تكتب على نمط المناجاة، وأحاديث الطريق بين الكاتب وقرائه.
ينبغي أن تكون مقالاتنا بعيدة عن عنصر الفوضى في تصدينا للإرهاب، بحيث تحقق وحدة في موضوعها، وتلاحما في أجزائها، واستقلالا تدريجيا نحو الفكرة بعيداً عن التهجم والوحشية، ملازَمةً للوضوح في التعبير.
كاتب المقال ملزم بالتفكير فيما يريد أن يكتب قبل أن يتناول القلم، ثم السير في موضوعه سيراً منطقياً، متجنباً الفضول، ومركزاً فكره في النقاط الرئيسية.
الحاجة إلى الخيال ملحة في أداء الكاتب بعيداً عن الجنوح والشطط، فهو لغة العاطفة، فالفن إذا لم يرفده الفكر كان مجرد أحلام ساذجة، وأخيلة تافهة شاردة لا تتصل بالنفس ولا بالحياة، والعلاقة بين الكاتب والقارئ علاقة ود وحب وثقة، بحيث يجد القارئ نفسه إلى جانب صديق يسامره لا أمام من يعنفه.
وأخيراً، فإن للألفاظ وتراكيبها قوة تعبيرية، فيحسن استعمالها بذكاء بحيث يؤدي بها - فضلاً عن معانيها العقلية أو مدلولاتها المباشرة - كل ما تحمل من صور مدخرة ومشاعر كامنة. والكاتب الناجح هو الذي يفيض عنه التعبير فيضاً، كما ينفجر الينبوع بالماء مع الحرص على الرفق بقارئه حتى لا ينفر منه.. هذا إذا أردنا أن نؤسس فناً مقالياً فاعلا في معالجتنا للإرهاب، بحيث تنزل مقالاتنا إلى قلوب الناس وأذهانهم، وتبدأ مفعولها الذي يقصقص أجنحة الإرهاب الذي يحاول التسرب إلى عقولهم، ويزرع حواجز الأمان الفكري والنفسي!

(*) وكيل قسم البلاغة والنقد ومنهج الأدب الإسلامي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved