إن الحديث عن الإرهاب الفكري والمادي لا يمكن أن ينفصل عن أي علم من العلوم، أو فن من الفنون، وهي كذلك لا يمكن أن تنفصل عنه، لأنها قد تُوظَّف لخدمته، لا سيما ما شهدناه من توظيف قوي لفن الخَطابة والتواصل الخطابي المؤثر في المتلقّين بأنواعهم، وجنسياتهم، وثقافاتهم، ولعل الأسوأ من ذلك هو استغلال تشكيل الصورة الوهمية لبعض الدول، أو الأديان، أو الأشخاص، وقد نالت المملكة العربية السعودية وأهلها ما ليس بقليل، وكذلك ما حاول رُعاة الإرهاب إلصاقه بالدين الإسلامي، وهو منه براء. إن أول ما أُشيد به في معالجة الحكومة السعودية الرشيدة لهذه القضية هو مبادرتها للرفض القاطع بأن يُلصق مفهوم الإرهاب بالدين الإسلامي، أو بأي وطن إسلامي، وهذا كافٍ جداً لإتاحة الفرصة الأكبر للمعالجة والتحليلات النقدية الصحيحة لخطابات الإرهاب وافتراءاته وحُججه وطرق تأثيره في الصغار والكبار، في الشرقيين والغربيين، فهذا ليس بجديد أو مستحيل الحل، لأن في تاريخنا النقدي والبلاغي مؤلفات خلّدت كثيراً من القضايا العنيفة التي عاناها المسلمون، وصمدوا أمامها، بل وقضوا عليها بمنطق البلاغة والنقد الصائبين الثابتين. كانت البلاغة جمالاً بيانياً فقط، لكنها الآن كذلك بالإضافة إلى أنها أداة من أدوات الجريمة العنيفة في أيدي رعاة الإرهاب ومُفرّخيه المفسدين. كان الأدب جمالاً تصويرياً فقط، لكنه الآن كذلك بالإضافة إلى أنه أداة من أدوات التدمير ونشر الفُرقة والعِداء بين البشر قريبهم وبعيدهم، غريبهم وحبيبهم، كما بدت سُحنته وهو في أيدي المتأثرين بالدعاوى الإرهابية! أيضاً كان النقد جمالاً تقويمياً فقط، لكنه الآن أصبح يسعى إلى قلب الميزان، فالصحيح جريمة، والجريمة صواب وشاعرية وبراءة!! والموازين في الحكم على الأمور، وفهمها، وشرحها، والتعريف بها لا يجب أن تخضع إلا لمنطق القوة التي لا ترى في العالم الإسلامي خاصة إلا مجرماً يجب التخلص منه! هذه الفنون الثلاثة كنتُ أعرفها أدوات من أدوات ابتكار الجمال والبحث عنه قبل أن نكبر وننكشف على هذا الإرهاب الذي لا يستطيع أن يُخفي قُبح وجهه المختفي خلف أقنعة متراكمة تدعي الجمال والمنطقية... لقد تفلّتت الموازين والمفاهيم والوظائف، والحقيقة أنني أرى الأمور عندنا بخير، وبخير كبير جداً ما دمنا ننطلق بكل علم من علومنا، وبكل فن من فنوننا من القرآن الكريم وسنَّة النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وإجماع أئمة المسلمين المهتدين، مما يُعيننا على رفع سهام الأمن الفكري، والوعي العلمي، والرشاد العملي.. وثمار ذلك تبهج قلوبنا وأعيننا.. إننا بخير، وهذه الجلبة التي تحاول أن تزعزع أسسنا الراسخة، لا تعدو أن تكون امتحاناً عصيباً عابراً في ميزان النقد العادل والواعي بأن الجمال يرتبط بتحقيق ميزان الله تعالى في أرضه، وبأن النقد ليس انحيازاً وتجبراً وظلماً يسخّر فيه الإنسان طاقاته العقلية لإجبار الناس على أن يروا ما يريدهم أن يراه، وأن يرددوا ما يريدهم أن يرددوه.. ومهما حاولت قوى الإرهاب أن توثق أغلال العنف وقيوده، فإن العقل الإسلامي الرشيد والمواهب المبدعة لا يمكن أن تجرؤ على أن تشوه واقع صورة العالم بريشة الدمار، والوحشية، وخراب العقل، وتكسّر ميزان المنطق العدل.. وهي ترقب الله تعالى في كل كلمة وفكرة.
(*) وكيل كلية اللغة العربية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية |