الموقف السعودي المبدئي ضد الإرهاب كان موقف الفطرة والعقيدة، وكان موقف النشأة والصلات الإنسانية، وكان موقف القناعة والوعي. فمنذ أن كتب الله لهذه الأرض الطيبة -أرض العراقة والتعاضد والإخاء- أن تتوحد على يدي المؤسس الملك عبدالعزيز - رحمه الله - ظلت شمس الأمن والطمأنينة تدفئ كل بقاع الوطن من أقصاه إلى أقصاه، وهنئ الجميع بنعمة الأمن والأمان في عالم تمزقه الفتن والحروب والنزاعات. لقد كان الأمن والأمان والطمأنينة (قيمة) اتفق عليها المجتمع وتكاتفوا لترسيخها، وكانت العقيدة الإسلامية، دين الفطرة، قد تغلغلت في نفوس أبناء الوطن بتعاليمها السمحة، فكانت الأرضية الرافضة للإرهاب ممهدة مهما كانت أشكال هذا الإرهاب، ولذلك لم تشهد المواقف السعودية ازدواجية أو ثنائية، بل ظلت واضحة الخط والمسار، فكان نتاجها وحدة في الرأي والموقف لم تضعف ولم تتنكب الطريق في كل الأحوال والظروف. موقف القيادة من الإرهاب
وكان الموقف المبدئي ضد الإرهاب جلياً في الخطاب السعودي بمختلف مستوياته، بل ووضح أن الإرادة الجمعية للشعب السعودي تتجه بكل قوة إلى إدانة الإرهاب وتطويقه والسعي لمحاربته على كافة الأصعدة. فعقب تفجيرات 11 سبتمبر والتي أدت إلى الموجات الإرهابية العاتية التي شهدتها الكثير من ساحات العالم، كان الموقف الرسمي في المملكة واضحاً من الساعات الأولى، إذ حرص خادم الحرمين الشريفين في برقية عزائه للرئيس الأمريكي جورج بوش على القول:( وإننا إذ نعرب لفخامتكم ولأسر الضحايا وللشعب الأمريكي الصديق عن خالص التعازي والمواساة، لنؤكد لفخامتكم استنكارنا الشديد وتنديدنا وشجبنا لمثل هذه الأعمال والتكاتف مع المجتمع الدولي للوقوف في وجه الإرهاب ومحاربته بجميع أشكاله وصوره، راجين أن يعم الأمن والاستقرار كافة أنحاء العالم). كما حرص صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس الحرس الوطني على إبداء موقف واضح وحازم تجاه ما جرى، حيث أعرب عن تبرؤ المسلمين من الأعمال الإرهابية الدموية، وقال في برقية للرئيس الأمريكي جورج بوش عقب أحداث سبتمبر:( ونحن نربأ بالإسلام والعرب عن هذه الاعمال التي لا يقوم بها عاقل يؤمن بالله ويعي رسالة الإسلام الخالدة..). وكان صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع والطيران والمفتش العام قد أعلن أن (الحالات الشاذة) لن تؤثر في المواطن السعودي، (.. فالمواطن السعودي هو رجل دين ومحبة ورجل سلام، والشعب السعودي يمتاز بالأساس الطيب والمعدن الأصيل، ولن تؤثر فيه مثل هذه الحالات الشاذة التي تحدث، والشواذ موجودون في كل زمان ومكان، والصحابة رضوان الله عليهم تعرضوا للقتل، كما أن الحشف موجود في التمر، ولنا في التاريخ الإسلامي وسيرة الصحابة خير عبرة..). كما كان للأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية رؤيته الواضحة ضد الإرهاب حيث قال في حديث لشبكة (سي.إن.إن) :(نعم كنا على اتصال بالولايات المتحدة وكنا لحوحين كثيراً على أننا ضد الإرهاب ونريد التعاون ليس مع الولايات المتحدة فقط ولكن مع كل دول العالم، وهذا منطلق من أمور أساسية، أولاً: عقيدتنا نحن كمسلمين ضد الإرهاب وقتل الأبرياء مهما كان السبب، وثانياً: أننا نرفض الإرهاب بأشكاله بالإضافة إلى أننا عانينا من هذا، ثم عملنا مع الإخوة في دول مجلس التعاون الخليجي في وضع استراتيجية أمنية لمكافحة الإرهاب، وفي عام 1998م توصلنا كدول عربية إلى اتفاقية لمكافحة الإرهاب وقعت في أبريل من ذلك العام وهذا معناه أننا سباقون في مكافحة الإرهاب). الرأي الشرعي
وكان للرأي الشرعي موقفه الصريح والواضح منذ الوهلة الأولى، فالدين الذي يمثل عصب الحياة في المملكة لا يغيب عن جميع القضايا التي تشغل بال المجتمع. فمن جانبه أكد سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ المفتي العام للمملكة أن على الجميع دولاً وشعوباً مسلمين وغير مسلمين أن يعلموا أموراً أولها أن هذه الأحداث التي وقعت في الولايات المتحدة وما كان من جنسها من خطف لطائرات أو ترويع لآمنين، أو قتل أنفس بغير حق، ما هي إلا ضرب من الظلم والجور والبغي الذي لا تقره شريعة الله -الإسلام-، بل هو محرم فيها ومن كبائر الذنوب. ثانيها: أن المسلم المدرك لتعاليم دينه العامل بكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ينأى بنفسه أن يدخل في مثل هذه الأعمال لما فيها من التعرض لسخط الله وما يترتب عليها من الضرر والفساد. ثالثها: أن الواجب على علماء الأمة الإسلامية أن يبينوا الحق في مثل هذه الأحداث ويوضحوا للعالم أجمع شريعة الله، وأن دين الإسلام لا يقر أبدا مثل هذه الأعمال. رابعها: على وسائل الإعلام ومن يقف وراءها ممن يلصق التهم بالمسلمين ويسعى في الطعن في هذا الدين القويم ويصمه بما هو منه براء سعيا لإشاعة الفتنة وتشويه سمعة الإسلام والمسلمين وتأليب القلوب وإيغار الصدور يجب عليه أن يكف عن غيه وأن يعلم أن كل منصف عاقل يعرف تعاليم الإسلام لا يمكن أن يصفه بهذه الصفات ولا أن يلصق به مثل هذه التهم لأنه على مر التاريخ لم تعرف الأمم من المتبعين لهذا الدين الملتزمين به إلا رعاية الحقوق وعدم التعدي والظلم. أما فضيلة الشيخ صالح اللحيدان رئيس مجلس القضاء الأعلى فقد أكد أن من الظلم أن يعتدى على غير جانٍ وأن يقتل غير مجرم. جاء ذلك في حديث لفضيلته لتلفاز المملكة العربية السعودية حول حكم شريعة الإسلام في مثل ما حدث من اعتداءات على الولايات المتحدة الأمريكية مبينا أن شريعة الإسلام شريعة كاملة تستوعب كل حدث وفيها حل لكل مشكلة وفيها بيان حكم كل نازلة. وأكد معاليه أنه لا غرابة أن تعلن المملكة العربية السعودية عن استنكارها وعدم رضاها للأعمال التي تعرضت لها بعض المنشآت في الولايات المتحدة الأمريكية موضحا أن المملكة ولله الحمد مملكة إسلامية وبحق يحكمها نظام الإسلام وتحكم شريعة الإسلام وأصول عملها وأنظمتها مقيدة بألا تخالف الإسلام فإذا استنكرت مثل هذا العمل فإنما تفعل ما تفعله من واقع دينها ومن موقفها الإسلامي. وموقف شعبي حازم أما الموقف الشعبي الحازم والمغوار فقد كان من الجلاء والوضوح بحيث يصعب حصره ولملمة تفاصيله، فقد حرصت جموع المواطنين في مختلف مناطق المملكة على إدانة كل عمل إرهابي، وسارعت جميع قطاعات المجتمع بالتبرؤ من كل عمل إرهابي منحرف وشائن في حق الأبرياء، واستمر الموقف الشعبي المؤازر للمواقف الرسمية واضحاً وفعالاً من جعل قوى الانحراف والظلامية محاصرة في جحورها مشلولة القوى ومعزولة عن مجتمعها. حفظ الله البلاد والعباد من شرور أعداء الدين والوطن، وحفظ للمملكة أمنها واستقرارها وحياتها الراغدة المطمئنة التي غمرت العالم كله بفيئها وخيرها وعطائها.
|