يمثل هذا العبث غير المسؤول الذي يقتل فيه الأبرياء، وتدمر من خلاله الأملاك، ويهزّ بفعله أهم ما يعتز به الإنسان، وهو الأمن في الأوطان.. وبهذا العمل المشين، بإعلان فئة ضالة وظالمة الحرب على كل ما هو جميل، فيما هو جدير بالدفاع عنه وحمايته والذود عنه بالمال والدم، ضد كل من هان عليه الوطن بقامته وقيمته أمام ما يواجهه من تحدياتٍ خارجية.. *** بهذا الاندفاع والانزلاق والجنون نحو ممارسات تفجيرية قاتلة يقوم بها البعض منا للإخلال بأمن الوطن، وبتماسك مواطنيه، والإجهاز على كل إنجازٍ رائع ومهم تحقق للوطن، على مدى أجيالٍ من أبنائه، كانت سواعدهم وعقولهم وراء هذا التطور العظيم الذي نفاخر به ونعتز.. بمثل كل هذا، يأتي اليوم من يبيح لنفسه الحق في تشويه سمعة الوطن، وصورة المواطن، والتفرد بذلك على النحو الذي رأينا مشاهده الدامية والقاتلة، دون أن يكون لهذا السلوك الذي يصدر من فئة محدودة العدد أي هدفٍ ينطوي على رسالة كريمة تخالف ما تفضحه نتائج أفعالهم.. *** أتساءلُ - مشفقاً - مع المتسائلين، وبقلبٍ ينزف ألماً، وقد أدمانا جميعاً هذا الذي يحدث دون وجه حقٍّ ومن غير مبرر، حيث الفساد والإفساد، ونزع المثل والقيم من أجوائنا، بلا حياء أو خوف أو رحمة أو شعور بالذنب، وحيث بفعلهم هذا يعادون الحرية المنضبطة، والتوجه الصحيح، والحياة الكريمة، والشعور بالاطمئنان على العرض والمال والمستقبل الواعد بكل سحب الخير والعطاء، دون أن يُكدره تفجير هنا أو عمل إرهابي هناك.. *** نعم، أتساءلُ ضمن المتسائلين، وأنكر بين ومع من ينكرون، محتاراً كما هم الخيرون، حزيناً حزن من مسه سوء أو أصيب بكارثة، لماذا كل هذا، ومن المستفيد منه، ماذا يريدون وإلى أين، ومتى يتوقف نزيف الدم، متى يعودون إلى رشدهم، ويأخذون العبرة من التاريخ، ومتى يستفيدون ويتعلمون من التجارب المريرة التي أودت بالأمم الأخرى إلى مشاكل مؤلمة نحن في غنى عنها، السؤال والإجابة عنه كلاهما لا يطلان بمعزلٍ عن أجواء الجريمة، والحق المستباح عنوة ودون تفويض أو قبول من الشعب، فويلنا أن أُغرقنا بسحابةٍ من الدماء المدمرة والقاتلة التي لن تستثني أحداً منا، بل وسوف تنسف كل ما أبدعته سواعد وعقول الأجداد والآباء والأبناء.. *** تعالوا يا هؤلاء إلى كلمة صدق ومحبة وإخاء وتعاون، وقولوا ما عندكم، وبوحوا بما لديكم، وعمموا ما هو مفيد ونافع وجدير بالاحتفاء، بعيداً عن التدمير والقتل وترويع الآمنين من إخوانكم.. وتعالوا إلى كلمة سواء، تعادون فيها الشيطان وأعوانه، وتطهّرون بها كل تصرف صدر أو قد يصدر منكم، مما أساء أو قد يسيء للوطن والمواطن، ضمن جهاد النفس ضد نوازع يحركها الشيطان، ولا يستفيد منها إلا العدو.. *** تعالوا إلى حوارٍ مخلص وصادق، اصغوا فيه إلى من يحبكم، ناصحاً أميناً لكم، يمسه الألم إن أصيب الوطن والمواطن بسوءٍ، ويأسى إذ يجدكم تتآمرون على اقتلاع كل شجيرات الخير والحب والوئام في بلادكم من غير سببٍ ودون مبرر.. *** وقفة مع النفس وحوار مع العقل يا هؤلاء، في جو يحكمه الصفاء والوضوح والنظرة المتفائلة، هي من بين أهم ما يحتاجه كل منا، وبهذا نعود من جديد لنرطب أجواءنا بالقيم التي تعلمناها وتشبعنا بها، فليكن الهوى ولتكن الهوية هما صفتنا وسلوكنا نحو الوطن في هذا المنعطف الخطير من تاريخ الأمة.. فقد حان الوقت وآن الأوان - والمؤتمر العالمي عن الإرهاب ينعقد اليوم في الرياض- بضيافة المملكة مستظلاً بخبراتها وتجاربها ورؤيتها، وبما عرف عنها من رفض لكل أشكال الإرهاب أينما كان مصدره ومكانه وزمانه، ليعود كل منا إلى رشده وعقله ووعيه مستسلماً للصوت العاقل، ومستجيباً لما يبني ولا يهدم.. *** لنفكّر جلياً وملياً وبشكلٍ أفضل في كل هذا يا كل هؤلاء، إذ ما أحوجنا إلى أن نكون أمةً وسطاً تدعو إلى الخير - مظهراً وعملاً وفعلاً - فلا نفضح أنفسنا ونظلم غيرنا بما يسيء إلى الأمة، ولا نجعل من نزواتنا قنابل موقوتة وقاتلة بحق الأبرياء، ولا نستقوي على بعضنا لفرض أمور وتوجهات وسياسات بما لاحق لنا بها أو بإملائها على الآخرين.. *** وها هو العام الهجري الجديد - يا كل هؤلاء - بجلاله ومعانيه وبما يرمز إليه يوشك أن يحل متزامناً مع هذا المؤتمر العالمي عن الإرهاب، فلنتصافَ ولنتآخَ، وليكن شعارنا جميعاً حب الوطن والإخلاص له، وليكن هدفنا التعاون والتراحم وبث عناصر الخير وينابيع التسامح فيما بيننا، منكرين كل عملٍ إرهابي يستهدف أمن الوطن أو يمس استقرار المواطن، وبأن ندافع معاً وجميعاً ضد كل من يتربص بنا شراً قلّوا أو كثروا، أكانوا من الأقرباء أو من الأبعدين، منا أو من الآخرين.
|