تناولت قبل فترة ليست بعيدة أهمية تعميق الدراسات الرامية لتطويق فكر الإرهاب في أعقاب هجمة فكرية دخيلة غرست عنوة في عقول غضة لشباب اعتقدوا نزاهة الطرح فوقعوا بالمحظور ليتراجع البعض ويستمر البعض الآخر تائهاً بين معتقدات لا تمت للإسلام بصلة في ظل إيمان خاطئ مفاده فوات أوان العودة إلى جادة الصواب. كنت قد أسهبت في تفصيل حال المغرر بهم في مجتمع لا يعرف للعنف طريقاً قبل الوقوع في براثن عقليات إجرامية خططت لتصل بنا إلى حافة التدهور وفقدان الأمن وتشويه صورة الإسلام بحجج جهنمية رخيصة لم تخطر على بال بشر من قبل رغم بزوغ حالات سجلها التاريخ وتبرأت منها الأجيال المتعاقبة فأصبحت جزءاً من ماض غير مشرف في وسط أفعال إيجابية سطرها التاريخ لتصبح مصدر فخر للإسلام والمسلمين على امتداد التاريخ. لعل فرصة عقد المؤتمر الدولي للإرهاب تعيد من جديد المطالبة بأهمية تعريف الإرهاب تعريفاً دقيقاً وواضحاً في أعقاب مطالبة معظم الدول الإسلامية لمسألة التحديد ذلك أن مقاومة الاحتلال على سبيل المثال لا يمكن قبول اعتبارها عملاً إرهابياً معتقداً أن من الممكن القول إنه وحتى هذه الساعة، فإن كلمة (إرهاب) هي مجرد وجهة نظر، محكومة بالزمان والمكان والظرف، فما يعتبره طرف من الأطراف إرهاباً، قد يعتبره طرف آخر نضالاً مشروعاً، أو عنفاً سياسياً، حسب المصطلحات المتداولة، لكن من المؤكد أن استخدام العنف ضد المدنيين يجب أن يكون منبوذاً ومداناً، خاصة حين يتجه هذا العنف إلى النيل من سلطة وطنية مشروعة بواسطة الاعتداء على مواطنيها سواء كانوا من المدنيين أو العسكريين مثلما حدث في المملكة العربية السعودية والجزائر والكويت وسوريا ومصر ومثلما يحدث في بلدان كثيرة من العالم. إن السعي إلى وضع تعريف عام للإرهاب توافق عليه مجموعة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة أصبح مطلباً ضرورياً. وهو مطلب لا يعتبر جديداً، فقد سعت إليه الدول العربية منذ سنوات وقبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وفي هذا الإطار قدمت كل من المملكة العربية السعودية وسوريا كل على حدة، طلباً إلى الأمم المتحدة لعقد مؤتمر دولي لتعريف الإرهاب، لكن الولايات المتحدة الأمريكية حالت دون انعقاد هذا المؤتمر، وقد يعود ذلك إلى أن اتفاقيات الأمم المتحدة تجيز المقاومة الوطنية المشروعة للشعوب ضد الاحتلال، وتفرق في هذه الاتفاقيات بين العنف السياسي والإرهاب، وهذا ما لا تريده إسرائيل. وحسب بوز غانور مدير معهد السياسة الدولي لمكافحة الإرهاب في إسرائيل، فإن وضع تعريف دولي للإرهاب، يساعد في توسيع دائرة الدول المشاركة في الكفاح ضد الإرهاب، ويمكّن من وضع تشريعات وعقوبات تردع الإرهابيين والجهات الداعمة لهم، وفي نفس الوقت فإن تجاهل تعريف الإرهاب سيساهم في دعم الإرهابيين واتساع قاعدتهم وتوفير المبررات الأخلاقية أو النفعية لمساعدتهم. ومع أهمية وضرورة وضع تعريف للإرهاب، يكون ملزماً للدول الأعضاء في الأمم المتحدة، وهو الأمر الذي سعت إليه الدول العربية والإسلامية، إلا أن الإرهابيين الجهلة والظلاميين ساهموا بشكل فعال في إضعاف الموقف العربي والإسلامي تجاه هذا الموضوع، ولم يعد ممكناً في هذه الظروف الدولية تجاوز مستنقعات الدم والدمار التي يخلفها الإرهابيون في أكثر من مكان في العالم، للحديث عن مسائل نظرية تتعلق بالاختلاف حول المصطلحات، ذلك أن العالم يواجه اليوم مجتمعاً أكثر الظواهر خطراً والتي تهدد الحياة البشرية المشتركة على كوكب الأرض، ومن دون شك فقد ألحق الإرهابيون الضرر في جميع قضايانا الإسلامية، فلم يعد ممكناً الدفاع عن أي عمل يتسم بالعنف في أي مكان في العالم، حتى ولو كان هذا العمل يهدف إلى تحرير وطن من الاحتلال، ليس هذا فحسب، بل إنهم بسلوكهم الأحمق والمتهور وفكرهم المتعفن الظلامي التكفيري، فتحوا الباب واسعاً لجميع المتطرفين في العالم ليساهموا في هذه الكارثة التي صنعتها أيديهم، وصار لزاماً علينا أن نتحمل عبء خلق توازن حضاري حتى لا تمتد نيران الفتنة والجهل لتأكل الجميع، ومن هنا يأتي المؤتمر الدولي لمقاومة الإرهاب، ليضع العالم أمام مسؤولية مشتركة، مفصلها، أن الإرهاب لا هوية له ولا مشروعية، أياً كان فاعله ومتبنيه وداعمه والمساهم فيه على أي وجه من الوجوه، ولعل الرسالة التي أرادتها المملكة إلى العالم من خلال انعقاد هذا المؤتمر فوق أراضيها هي أن الإرهاب أياً كان مصدره ومكانه، هو إرهاب موجه للجميع بلا استثناء، وقد ذقنا طعمه المر مثلما ذاقته أمريكا ودول أخرى، فنحن إذن شركاء في مهمة القضاء عليه، وأكثر الساعين جدياً إلى اقتلاعه من جذوره أينما وجد وكيفما كان. ومع ضرورة الحرص على إظهار التضامن العالمي ضد ظاهرة الإرهاب، يجب أن لا يغيب عن بالنا ولا عن بال المشاركين في المؤتمر، أن للإرهاب محفزات سياسية وثقافية واقتصادية، يجب أخذها مأخذ الجد، ويجب معالجة جذور المشكلات التي تغذي الظاهرة، فالحديث عن مكافحة الإرهاب بحزم من الناحية الأمنية، يجب أن لا يغني عن ضرورة مكافحة الظلم، والفقر والتخلف، وهي عوامل تعاضد الإرهاب وتغذيه، وهذه العوامل لم نصنعها نحن، بل جلبتها لنا مطامع الدول الكبرى وطموحاتها الاستعمارية.
|