Saturday 5th February,200511818العددالسبت 26 ,ذو الحجة 1425

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"الطبية"

إضاءةإضاءة
لو لم أكن طبيباً لوددت أن أكون طبيباً
د. محمد غياث التركماني(*)

ما زلت أذكر عندما كنت طفلاً حيث كانت تنتابني من فترة لأخرى حرارة عالية وألم في البطن وصعوبة في البلع، وكان والدي يأتي مساء من عمله متعباً ليجدني أتلوى في فراشي يميناً ويساراً، ووجهي أحمر كالتنور من شدة الحرارة، فلا يلبث أن يستدعيَ طبيب الحارة الذي كان يأتي على عجل، وينظر إليّ ثم يقول لي بصوته الخشن الأجش ((أنت مرة أخرى)) ثم يبدأ بفحص البطن ليعصر الطحال ويقرع الكبد ويجس البطن وأذكر تماماً أنني كنت أذوب بين كفه العملاق وأصابعه الغليظة، ثم يضع طبلاً صغيراً على صدري (السماعة الطبية) وينقله من مكان لآخر وكأنه يفتش عن شيء ما ربما أضاعه هناك في المرات العديدة السابقة، ويطلب مني فتح فمي فأفتحه سريعاً خائفاً مرتعشاً من الحرارة قليلاً ومن الطبيب أكثر، وأنا أشعر أن شفتيّ قد تقطعتا، وأسناني ربما تحطمت ثم يدخل في فمي قطعة خشبية صغيرة ليخفض بها اللسان ويصرعه ثابتاً بلا حراك، ثم يمعن النظر في لوزتين كبيرتين بحجم الجوز ومحمرتين بلون الخوخ ويطلب مني أن أنشد أنشودة طالما رددتها على مسامع الحاضرين والطبيب مرارا وتكرارا في المرات السابقة، تلك الأنشودة التي مطلعها (آه) وأوسطها (آه) وآخرها (آه) أيضاً، ثم يدغدغ الجلد خلف الأذنين وتحت الفك. كنت أظن أنه يداعبني ويمازحني بعد رحلة الفحص المريرة هذه غير أنه كان يفتش عن ضخامة في العقد اللمفاوية قد تكون موجودة هناك.
ثم يهمهم ويدمدم بكلمات طبية غير مفهومة ويحدق بي بنظرات عميقة ويلتفت إلى والدتي ويسألها ما هو الطعام الذي تناوله اليوم ؟ لتبدأ أمي بسرد القائمة الطويلة بصوت خائف مرتجف، وهي تحاول أن تستدرك كل ما وضعته في فمي في ذلك اليوم المشؤوم وتقول : تناول اليوم يا دكتور جبنة بيضاء، زبدة عربية، شاي، حليب، ملوخية مع الرز، بسكويت، شوكولا، مشمش ، كرز، بطيخ أحمر... وهنا يقاطعها الطبيب بقوله كفى كفى لديه (التهاب اللوزتين ) ثم يخرج قلمه الذهبي، ويكتب وصفته المعتادة التي مرة تكون شراباً ومرات عديدة تكون إبراً، ومع أنني لا أذكر عدد المحاقن والإبر التي رسخت في جنبي رسوخ الصواريخ والقنابل الذكية في الحروب النظيفة التي نسمعها في هذه الأيام، ولكني أذكر تماماً أنه نادراً ما كانت تحملني قدماي أو تساعدني ساقاي على المشي إلا بعد انقضاء يومين أو ربما أسبوع من قصف تلك الصواريخ. ومع هذا كله فأنا لا أنكرفضلاً لهذا الطبيب الذي كنت أرى على يده شفاء بعد الله بالإمكانات والأدوية المتوفرة في ذلك الوقت.
لقد أصبح التهاب اللوزتين المتكرر هاجساً يؤرقني والأهل أيضاً وقطع والدي عهداً أن يقطع دابر هاتين اللوزتين اللعينتين، وكان له ما أراد، ربما كانت هذه التجارب التي مررت بها أعطتني شعوراً بأنني لن أكون في يوم من الأيام طبيباً ولن أفكر مطلقاً في الاقتراب من بوابة كلية الطب، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن. وتمر الأيام....
اليوم هو يوم توزيع نتائج امتحان الشهادة الثانوية، وكنت قد حصلت على درجات عالية تخولني الانتساب إلى كلية الطب (وأنا الذي كنت أتمنى أن أكون مهندساً معمارياً) فمن هنا بدأت معاناتي.
اجتمع شمل العائلة ليباركوا ويهنئوا وكل يدلي بدلوه فهذا ينصح، وتلك ترشد والجميع يشجعني ويدفعني لأن أكون طبيباً، وأنا في كرٍّ وفرٍّ وضغطي الدموي في علو وانخفاض وذهني في تركيز أحياناً وشرود في أحيان كثيرة، ثم وجدت نفسي في كلية الطب وأنا ألبس الرداء الأبيض وبدأت أتنقل في مختبرات الفيزياء والكيمياء والنبات والحيوان والتشريح، وأنا ما زلت في فوضى وهذيان، وأذكر أنني قلت يومها : أمضيت عمري أعتصر أحزاني بين النبات ومخبر الحيوان في مخبر التشريح يالمصيبتي عند الدخول أصاب بالهذيان فهنا أكداس الجماجم رتبت، وهناك أشلاء من الإنسان، وكثيراً ما كانت تسوقني قدماي هرباً إلى كلية الهندسة المعمارية المجاورة لمبنى كلية الطب لأرى الطلاب يجلسون وراء مقاعدهم في كل اتزان وهدوء يرسمون ويبدعون ما تجيش به مخيلتهم، ثم أغض طرفي، وأهز رأسي وأعض شفتي وأهضم حرقتي وأقول في نفسي : أنا الذي في نفسي كل فنون الإبداع المعماري سأدفن كل هذه التخيلات والإبداعات إلى الأبد، ولن أكون بعد هذا اليوم مهندساً معمارياً.
ورحت أطبق فنون الهندسة المعمارية في مباني كلية الطب نفسها لا أعرف إن كان هذا عزاءً لنفسي أم تنفيساً عن كربتي فأقول لو كان مختبر الجراثيم في الدور الأول لكان أفضل ولو كانت مساحة المكتبة الطبية أكبر كان أحسن وهكذا... لقد انتهى الأسبوع الأول من دراستي في كلية الطب، وعدت إلى مدينتي لأجد شمل العائلة، وقد اجتمع ثانية فرحين مهللين لطبيبهم، الكل يشكو من أمراض ما أنزل الله بها من سلطان، مجهولة الهوية والعنوان وغريبة الشكل والألوان وكل ما أنا فيه لم يكن بخاطري من حسبان. من صلع يشكو عدنان وطنين في أذن مروان وصداع مزمن عند غسان وقحطان وسلمان، تجاعيد الوجه واضحة عند جدتي والكلف في وجه خالتي والشامات على خدود أم أحمد جارتي، وميلانٌ في الأنف لدى هناء، وصعوبة شمٍ عند سناء، وتساقط شعر عند رجاء، وغياب صفاء الوجه تشكو صفاء، وصعوبة لفظ حرف الياء عند هيفاء وغيثاء وميساء وشيماء. بؤبؤ العين جامد عند عمتي أم خالد ورأرأة في عين عابد وتأتأة في لسان حامد وثؤلول على جبين رائد، وسعاد تشكو من حب شباب، وندب وحفر في وجه رباب، وقشرة رأس عند سراب، وأنا في حيرة وحسرة وضيق وعذاب، ولا أملك إلا هز رأس وابتسامة دون أدنى جواب.
ثم أتوني بقطعة بلاستيكية سوداء (صورة شعاعية) للتحقق من وجود ورم دماغي فيها لأن الأطباء العشرة السابقين لم يكونوا بحل لغز هذه القطعة البلاستيكية يعرفون، فهم في علوم الطب جاهلون غافلون وما أعلم به هم لا يعلمون، فأنا الطبيب الذي لم تلد مثله البطون هكذا أقاربي يعتقدون، وتساءلت في نفسي لماذا كل هذه الأسئلة والشكايات تتعلق بالرأس ؟ لكن استفساراتي زالت سريعاً عندما علمت من الحاضرين أنهم يعتقدون بأننا نبدأ الدراسة في كلية الطب من الرأس وحتى القدمين ولا بد لي أن أكون قد أنجزت في الأسبوع الأول من دراستي جميع الأمراض التي تتعلق بالرأس عيناً وأنفاً وأذناً ولسانا، وشعراً وجلداً ودماغاً وأسناناً. وبقيت على هذا الحال في السنة الأولى والثانية فكلية الطب جافة قاحلة والمواد صعبة وعلمية بحتة، وأنا في دراسة ليست من اختياري وفي كلية ليست مزاجي، وتمضي الأيام علي بطيئة جداً حتى أصبحت في السنة الثالثة وبدأت المواد الطبية السلسة تدخل عقلي وتسري في شراييني فانتفضت على نفسي وقلت أن أكون أو لا أكون فبدأت أقرأ الكتب وأهضم المراجع، وأخذت حياتي هنا منحى آخر فأصبحت طالباً مجداً دؤوباً، وشعرت بحلاوة علوم الطب. ثم بدأت مرحلة التدريب السريري ورحت أتنقل من فرع لآخر في أقسام الطب والجراحة وكان لابد لي من أن أرسم صورة عن فرع الطب الذي أنوي التخصص به.
لن أكون طبيباً مختصاً في أمراض الأذن والأنف والحنجرة أو حتى في طب العيون فأنا لا أرغب أن تكون ممارستي الطبية أسير ثقب صغير في منظار. أمام طب الباطنية فهو يقوم بالتفكير والتعليل والاستدراك لإحساس وشعور وظن وتخمين لأعضاء ليست تحت يد الطبيب واقعة. وطب الأطفال ليس ببعيد أيضاً عن طب الباطنية لكنه ممزوج ببكاء الولدان وصراخ الغلمان وتنهدات الأمهات وزفرات الخالات والعمات.
أما طب الجلد فهو الطب الأسمى والطب الأصدق فما تراه أنت يراه طبيبك دون حاجة إلى علوم القياس والإجماع أو موازين خاصة، لسبر هذا الداء فالمرض الجلدي تحت يدك كائن ونظرك واقع.
أتعبني وأرهقني الجلد عندما قرأته دون أن أراه، وأدهشني وحيرني عندما شاهدته صورة مذهلة من فنون الطب والحياة ولوحة هندسية رائعة من إبداع الخالق جل في علاه وأعياني وأشقاني عندما درسته وتعمقت في خباياه، وأحببته بل عشقته عندما مارسته وسرت في حاراته وصعدت إلى أبراجه ومبناه. واليوم ها طبيباً قد أصبحت، وفي بحور طب الجلد قد أبحرت فليسامحني الله إن أخطأت، وليعذرني مرضاي إن قصرت وليسعدني ضميري إن أصبت وأشكرك قارئي عما قرأت

*) عيادات ديرما الرياض

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved