رغم أني لست مستبشراً كثيراً بأمر النشاط الثقافي لهذا العام في الجنادرية إلا أن ما يجعلني أكثر تفاعلاً هو أن التراث في الجنادرية يفد إلينا من التاريخ على نحو بديع.. فعندما تنيخ رواحل الماضي على أرضها، تتسع أحداقنا وكأننا نغبط أو نحسد هؤلاء القدماء الذين صاغوا من الحياة - رغم قسوتها - أغنية فريدة، وأبدعوا - رغم ضنك العيش - مشغولات جذابة، وأمَّنوا - رغم الفاقة - ضروريات ندهش الآن من كيفية تهيئتها وتقديمها بهذه البراعة. فلو نظرنا إلى أي باب في بناء قديم ستأسرنا جماليات عديدة، منها جودة صناعته، ودقة تنفيذه رغم أن صناعته من ألفها إلى يائها تتم بمجهود بشري خالص لا شأن للآلة به أبداً، فحينما نقارنه بما يُصنع اليوم من أبواب تأتي من كل مكان تتميز هذه المشغولات البسيطة على ما سواها. حتى التاريخ الذي نستضيفه على أرض الجنادرية نجد فيه ملمح الماضي الجميل، إلا أننا نقف بألم وهلع حينما لا نجد الآن ما نسجله للتاريخ.. ذلك أن ما قبل اليوم أجمل، وأن ما قبل قبله أفضل، لأن الحاضر يعيدنا فعلاً إلى حقيقة التراجع في تسجيل جماليات الحياة يوماً بعد آخر. فهل بمقدور باب الجنادرية الخشبي الجميل أن يشحن عقولنا وذواكرنا ولا أقول جوالاتنا بما نريده من عودة للماضي الذي صنعه الآباء والأجداد دون استيراد واستقدام لكل شيء..؟
|