Monday 28th February,200511841العددالأثنين 19 ,محرم 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الأنا والوعي بالآخر.. أزمة المجتمعات المنغلقةالأنا والوعي بالآخر.. أزمة المجتمعات المنغلقة
د. عبدالرحمن الحبيب

في إحدى المرات في بريطانيا، كنت أشاهد تحقيقاً إخبارياً عن المجاعات في أفريقيا، وفي نهايته برزت الصحفية المعدة له بتعليقها الأخير قائلة: انظروا إليهم - مشيرة إلى أمهات وأطفالهن - إنهم بشر مثلنا يحبون أطفالهم مثلنا ويبكون مثلنا ولكنهم يختلفون في طريقة العناية بسبب الفقر والجوع والجهل)؛ وكان بقربي زميل بريطاني، فصارحته بامتعاضي من هذا التعليق المتعالي..
وقلت له: ماذا تعني هذه الصحفية بتكرار كلمة مثلنا؟ هل كانت تظن قبل ذلك أنهم كائنات من كوكب آخر.. الخ.. هل كانت ترى الآخر كما تنظر للشيء، أي ليست نظرة تعتبر الآخر موجوداً بشرياً حيويا وموضوعيا مثلها تماماً.
أو كما يقول الناقد الياباني كاتوفي عن صلة اليابانيين بالآخرين في فترة انغلاقهم: (الأنا يعتبر الآخر بيئة فيزيقة فقط، ولا يعتبره وجوداً موضوعياً حياً مثله). وبالمقابل، تنتشر في مجتمعاتنا العربية حالات متنوعة من عدم الانفتاح على الآخر، يمكن رصدها عبر العزوف عن الآخر وربما مصدامته أو منع فكره.. وكذلك عبر وضع صورة نمطية جاهزة عن الآخر سواء من ناحية فكره وقيمه أو من ناحية وجوده وكيانه. فكثيراً ما تشيع في الأوساط العربية مفاهيم جاهزة عن الغرب كدول أو كمجتمعات أو كأفكار أو كمؤسسات وكأن الغرب شيء واحد شرير في الغالب أو يحمل معاني سلبية.. وكثيراً ما تسبغ على المصطلحات الجديدة التي ظهرت في الغرب مفاهيم مغلوطة أو مفاهيم مسبقة لا صلة وثيقة لها بمضمون المصطلح الجديد ومحتواه بل أن صلتها برمزيته أو بأوهام وتصورات ذهنية جاهزة، أي ما نسميه قولبة الآخر.
ويحدث أن يشاهد أحدنا برنامجا أو يسمع أو يقرأ عن أحد المجتمعات الغريبة علينا في قيمها وعاداتها وسلوكها، فننظر إليها على أنها مجتمعات شاذة أو ربما حيوانية.. يقول الكاتب السنغالي سينبين عن نشأته: (أنا ربيت في أسرة كبيرة بدلاً من الأسرة النووية. طبعاً عندي أمي التي ولدتني ولكن ليس من الضروري أن اعرف من هي. ورغم أنها ولدتني فهي لا تقوم بعمل شيء خاص لأجلي كابن خاص لها. من رباني هو أسرتي وليس أمي التي ولدتني، وهذا الواقع لم يسبب لي الشعور بعدم الرضا أو التشويه الأخلاقي)..
ويعلق الكاتب الياباني نوتوهارا قائلاً: (هذا المثال الجديد علينا في اليابان يكاد لا يصدق) إن حكم القيمة الذي قدمه سينبين ليس معروفاً في تاريخ اليابان ولكي نفهم هذا الحكم ولكي نقبله كما هو فإن علينا أن نعي نظام القيم في مجتمع السنغال والمجتمعات المماثلة. ويجب أن يكون وعينا لذلك كاملاً.
لذلك علينا تجنب معيار القيم الجاهزة التي تنمي إلى مجتمعات خارج مجتمع السنغال... سردت هذا المثال والتعليق عليه، لتوضيح ما يمكن أن يشوب فهمنا وحكمنا على الآخرين من شوائب وتشوهات معيارية، كما يبدو أنه حصل مع الصحفية التي أشرت إليها في المقدمة؛ فليس من الموضوعية أن نسقط قيمنا الذاتية ومعاييرنا الاجتماعية الخاصة على مجتمعات أخرى لها تاريخ وبيئة وظروف أخرى مختلفة.؛ فقيمة الكرم في البادية العربية قد تظهر لمراقب غريب كقيمة سلبية تنم عن التبذير أو الادعاء الزائف في إظهار الحفاوة بالضيف.. لكن بفهم قيم الترحال التي لا تعطي فرصا مناسبة لتراكم رؤوس الأموال.. وبإدراك التضامن القبلي إزاء قساوة الصحراء وتقلباتها يمكن الاستيعاب والحكم على هذه القيمة، ولابد للمفكر والكاتب والمثقف إن أراد أن يقترب من فهم فكر مجتمع معين أن يأخذ في اعتباره تاريخ هذا المجتمع وتطور أفكاره وسلوكياته والبيئة العامة التي ظهر فيها.. ففكر أي أمة أو مجتمع هو نتاج التاريخ عبر تفاعله على مسرح الجغرافيا حيث الفرد - المجتمع والطبيعة يعملان سويا (فرديناند بروديل).. فكل معنى يتعين فهمه في ضوء تاريخ نشأته وتكوينه وتطوره، وفي السياق الأصلي للخبرة المعاشة التي تشكل خلفيته وفي السياق الجمعي (كارل مانهايم). الآخر هو نقيض الأنا وشرط وجوده، هذه الثنائية القطبية موجودة سواء على مستوى الفرد أو المؤسسات أو المجتمعات أو الدول.. الخ.
ويؤثر الوضع والحراك الاجتماعي والتاريخي في تحديد عقلية المجتمعات وبناها المعرفية التي بدورها توجه تصورات الأفراد ومواقفهم من الذات والآخر. وتأخذ العلاقة بين الأنا والآخر أشكال عديدة.. وفي وقت اشتداد الأزمات تلجأ كثير من المجتمعات المنغلقة إلى الانكفاء على ذاتها والتقوقع على أفكارها البالية ومناهجها ومواقفها السابقة، وتضخيم الذات وأمجادها الأسطورية والحقيقية، والدفاع عن ذاتها بشتم الآخر كتبرير للهوية الذاتية، والجمود العقلي كدفاع عن أفكارها التقليدية التي تشكل وجودها.. لينتج من ذلك عقلية جامدة لا تاريخية وغير نقدية مشكلا أهم مظاهر السقوط الحضاري للمجتمعات.. لعله من تحصيل الحاصل الإشارة إلى أن العالم يشهد انفتاحاً في التعامل بين الدول أكثر من أي حقبة مضت.. سواء عبر الاجتماعات الدولية أو تجمعات أخرى متنوعة شعبية وثقافية وعلمية..أوعبر ثورة الاتصالات والمواصلات.. إنه ببساطة عصر العولمة.. وأصبحت الاستفادة المتبادلة بين الدول سمة أساسية لهذا العصر، ويعد الانفتاح على الآخر أحد أهم عوامل النجاح في التعامل بين الدول وكذلك بين المجتمعات، وذلك الانفتاح يؤسس على الوعي بأن الآخر موجود وحي مثلنا تماماً وعلينا فهمه وفهم قيمه وفقا لمنظومة القيم المحيطة به ثم التعامل معه وفقاً لهذا الوعي.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved