* الرياض - وفاء الناصر: باتت مسألة التدفق الإعلامي وسيل القنوات الفضائية الجارف تشغل بال الكثيرين، بل تربك تفكيرهم، وتعطل حاسة الاختيار لديهم؛ حيث صار المشاهد أمام مئات المحطات الفضائية بغثها وسمينها وجهاً لوجه في بث مباشر وعلى الهواء يتسلل إلى البيوت دونما استئذان، لا يراعي حرمة، ولا صغاراً ولا كباراً. فماذا يفعل المرء أمام هذه الموجة العارمة التي بسطت جناحيها على أركان الكرة الأرضية متخذة من الفضاء منطلقاً لها؟!وفيما تبدو صورة الثورة الاتصالية والثروة المعلوماتية مبهرة في سياقها التقني والعلمي يظل الوجه الكالح لإفرازات هذه الظاهرة يصب أوجاعه المؤلمة تجاه حصيلة الأطفال من هذه القنوات التي تتزاحم لتغزو أفكارنا، وتبدد ثقافتنا، بل وتعتدي على رصيدنا المعنوي والفكري. وبينما تجتهد قنوات فضائية جادة للوصول إلى المتلقي وهي تحمل لبنات البناء، وتقدم البرامج المفيدة اجتماعياً وطبياً واقتصادياً وسياسياً، نجد على الجانب الآخر - وهو السواد الأعظم - قنوات أخرى تهدر مليارات الدولارات لكي تصل إلى عقول النشء وتعبث فيها تخريباً وتشويهاً وإفساداً. ويعلق أحد الإعلاميين عن الظاهرة قائلاً: إن من عيوب التدفق الإعلامي والمعلوماتي أنه يفسد على المتلقي عملية الانتقاء والاختيار، وبالتالي تضيع جهوده سدًى دون أن يخرج بحصيلة ذات قيمة، وهو أحد أوجه العولمة التي تؤدي إلى إرباك المتلقي أو العميل أمام خيارات عديدة من العروض المتضاربة والمتنافرة.ترى ماذا يفعل أولياء الأمور في مواجهة هذه الهجمة الشرسة التي تستهدف المفاصل في جسد الأمة، وتتخير جيل الغد الصاعد ورجال المستقبل فلذات الأكباد؟ هل يترك الناس التعاطي مع هذه الفضائيات حفاظاً على النشء من الشباب والفتيات أم يحصروا أنفسهم في المحطات الأرضية خوفاً من مخاطر البث الفضائي الذي يتدفق دون حسيب أو رقيب؟ ويقول أحد المشاهدين: إنني أمضي الساعات الطوال أمام شاشات البث الفضائي دون أن أركز على قناة بعينها؛ حيث أنتقل من قناة إلى أخرى في أقل من لمح البصر، وأحياناً أعود إلى القناة ذاتها ثم أنتقل إلى غيرها في ثوانٍ، وعندما أمر على مئات القنوات أجد الوقت قد تسلل من بين يديَّ دون أن أجني فائدة تذكر، وأحياناً يكون ذلك على حساب وقت العمل. نحن حقاً أمام تحدٍّ خطير، وأمام لحظات الاختيار الصعبة في ضوء فضائيات متعددة المشارب والمناهج، ومتجددة الأشكال والمسميات، نمتطي صهوة تقنية عالية، أدخلتها كل البيوت بأقل التكلفة، لكنها وضعت الأُسَر أمام تحدٍّ قاسٍ واختبار عجيب في عالم من أبرز سماته التقنية والاتصال بالآخر.. ترى في المراسي تستقر بنا ثورة الفضائيات؟!
|