اللوائح في كل بلاد العالم تسن النظام العام وتترك للإنسان الحرية في الإبداع والاجتهاد والحراك والتجدد تحت مظلة هذا النظام.. ولم يقتل الأنظمة والقوانين ويعلن فشلها في تحقيق المرام منها سوى هؤلاء الحرفيين الذين يتعاملون مع الأنظمة البشرية على أنها نصوص قرآنية يلزم ألا يحدث أي تغيير فيها أو حتى نقد لها.. ويرفعون المنتج البشري ليزاحم النص الإلهي!! ** وإذا كان كثيرون ينتقدون مسارات الفكر الواحد على أن ذلك وقف على الرجال وهم المؤثرون فيه فهم مخطئون.. فبعض من النساء هن مغذيات للرأي الواحد.. ملقيات بقتامة الأشياء على ظلال الحياة. ** كنا في أواخر الثمانينات فتيات جامعيات نباشر حياتنا بالفرح وإضاءة مسارب الرؤى في أيامنا ونترك كوات واسعة في الأبواب ليدخل الضوء الجديد على لغتنا وأحلامنا دون أن نقتلع من جذورنا هذا الحنين والفخر بأننا نسيج حميم من المجتمع وتربة صفراء من أرض تحتفل بالمطر فتنجب زروعاً شتى.. ** تسربت الرفيقات.. وبقيت أنا وحيدة بين خرفشة الصحف في مكتبة الكلية.. وحين أخرج منها.. أتعثر بالخطوط الحمراء التي وضعتها من كن زميلاتي بالأمس.. ** اتسعت تنانير الطالبات وربطت خصلات الشعر بحدة إلى الوراء.. واختفت مسحة الماكياج.. وتعبأت الحقائب بكتب صغيرة بدلاً من الروايات والمجلات.. وذبلت وردات الحياة دون أن يكون لك حق السؤال! كنت على أعتاب مغادرة الكلية.. وهرعت إلى التلميذات في فصولهن أتلو عليهن قصائد امرئ القيس وعنترة وشوقي وإرث اليونان وملاحمهم.. ** كبرت الخطوط الحمراء.. حتى ظننتها الحياة.. صارت خطاً أحمر بائناً.. ** كتبت مقالاً في مطلع التسعينيات عنوانه (القراءة بالمقلوب شراً مستطيراً) ونبهت لفتنة القراءة الخاطئة وتحميل الكلام أكثر مما يحتمل.. ورويداً رويداً كنت من ضحايا الفتنة.. مقروءة وقارئة.. فقد لحقتني بعض آثارها فصرت أفسر الكلمات وأعطيها حيناً أكثر مما تحتمل متأثرة بالروايات والنقولات والتحذيرات من فلان وفلانة، وفي السنوات الأخيرة تمكن مني الداء أو كاد! ** وفي لحظة من لحظات الصحو الجميل.. أراد لي الله سبحانه أن أخرج من هذا الضيق إلى فسحة عظيمة.. صرت فيها أكثر قرباً من تلك التي أعرفها وأضعتها أو بعضاً منها في أواسط التسعينيات.. ** لقد احتفلت ذات يوم متقدم بأنني امرأة.. واليوم أحتفل بأنني إنسان يملك من اتساع القلب وحسن الظن والبحث عن بضعة وستين تفسيراً إيجابياً للأشياء قبل أن يحكم عليها.. ** أشعر الآن أنني أشبه كثيراً هذا الأب النجدي الذي يمتد أفق قلبه إلى ما يشبه الصحراء الواسعة المتسعة مع رملها الجميل..!! ولو كنته ولو ظللت على عهده.. لكنت دائماً على ما أنا عليه الآن!!
|