لوسائل الإعلام - والصحافة على وجه الخصوص- دور مهم في غرس المفاهيم، وتعزيز الفكر، وسك المصطلحات التي تخدم غايات معينة وأهدافاً مقصودة.. وهي محمدة تحسب لوسائل الإعلام إذا كانت منسجمة مع قيم المجتمع وثقافته، أو - في أقل أحوالها- لا تتعارض معها. وهي غير ذلك إن كانت تتصادم مع ثقافة المجتمع، أو - في أعلى مراتبها- تمثل تحدياً صارخاً لهذه الثقافة، وخروجاً على معتقدها، وانحرافاً عن مسارها القويم، سواء فعل ذلك الإعلاميون والكتبة عن جهل، أو مع سبق (الإصرار) و (الترصد)!! في مضامين الحملات الإعلامية الانتخابية ترددت مصطلحات كبيرة، ومفاهيم غريبة. أخطرها على المجتمع وثقافته مصطلحان تكرر ذكرهما في وسائل إعلامنا المحلية: هما (الديموقراطية) و (التيار الإسلامي) فقبل وأثناء وبعد الانتخابات البلدية وصفت هذه التجربة الإصلاحية الحضارية بأنها خطوة نحو الديموقراطية، وهي غير ذلك بالتأكيد، فالمفهوم الفكري الفلسفي للديموقراطية يعني: 1 - حكم القانون، وبلادنا تحكمها الشريعة الإسلامية. 2 - تداول السلطة، وبلادنا يحكمها إمام مبايع. 3 - التعددية والحزبية، وبلادنا قامت على مرتكزات ثلاثة: (أرض ذات سيادة وجماعة مسلمة، في ظل إمام له بيعة)، ومن لوازم هذه الجماعة: أ - السمع والطاعة لولي الأمر في غير معصية . ب - الوحدة التي هي عكس الفرقة والاختلاف. ومعلوم أن التعددية - في المفهوم الديموقراطي - تقتضي السماح بوجود الأحزاب، و (الحزب) في مفهوم السياسة يعني (محاولة الوصول إلى السلطة) وهو مفهوم يتناقض - حتماً- مع مفهوم (البيعة) و (الجماعة المسلمة). ومن هنا فإن على وسائل إعلامنا أن تتنبه لهذا المصطلح، وأن تقوم بوظيفتها التثقيفية والتوجيهية في ظل المنهج الإسلامي الذي قامت عليه الدولة السعودية وتأسست، وذلك بغربلة مثل هذه المفاهيم، وعدم السماح لها بأن تتكرر في المضامين الإعلامية لتبقى تجربتنا الحضارية في الإصلاح منسجمة مع ثوابتنا. وبعد إعلان نتائج الانتخابات البلدية طالعتنا عناوين بعض الصحف، أو عبارات مضامنيها بعناوين صارخة ومستفزة لكل السعوديين، مثل (التيار الإسلامي المعتدل يفوز في الانتخابات البلدية) أو (الإسلاميون يكتسحون أصوات الناخبين في الرياض) والذي يقرأ مثل هذه العناوين وهو لا يعرف بلادنا يتوقع أننا نعايش تجربة الانتخابات في البلاد الأخرى، وهي التجربة التي يخوضها: الإسلامي المعتدل، والإسلامي المتطرف، والعلماني، والشيوعي، والقومي، والشعوبي، وغير ذلك من التوجهات الحزبية العقائدية الموجودة في الوطن العربي. وهذا مما يساعد على تكوين صورة مشوهة مبنية على معلومات خاطئة عن بلادنا ومجتمعنا. إننا نحسن الظن بكثير ممن يطلق مثل هذه المصطلحات، بوصفهم كتبة مبتدئين، أو صحافيين تنقصهم الرؤية الفكرية في التعامل مع مثل هذه المناسبات السياسية التي يشترك فيها المواطن مع الدولة في الإدارة والحكم، لكن الذي ينبغي أن يكون هو أن تخضع مثل هذه المضامين إلى مراجعة وتمحيص من القائمين على الوسيلة الإعلامية لتنسجم مع السياسة الإعلامية للدولة. وهو أمر يحتم وجود كفايات ذات وعي سياسي تمثل (حارساً) للبوابة الإعلامية حتى لا يدخل إليها من لا يفقه التجربة، أو يتسلل إليها من لا يريد بالوطن وأهله خيراً.
|