عصرنا الذي نعيشه يتميز بالزحام الشديد وقلة الفرص المتاحة، والسباق الطويل، أو التنافس الصعب، لإدراك فرصة يعسر إدراكها إلا بالجهد والعرق والكفاح. ولكي يفوز الإنسان في سباق الحياة لا بد له من الأمل، ومن طاقة كبيرة من العمل، ومن الإقدام والجد للفوز في معركة الحياة. قد يتصوّر الشاب المتخرِّج من جامعة ما أن في وسعه أن يصعد إلى السطح مرة واحدة، دون حاجة إلى أن يقطع درج السلم، درجاً بعد درج.. وهذا تصوّر خاطئ لطبيعة العالم اليوم، بل لطبيعة الحياة نفسها.. وقد يقف الشاب مبهوراً حائراً كيف يصعد إلى السطح، ومن هنا كان لا بد من أن يعي الحقيقة كاملة، وأن يعرف أن القفز لا يصل بالإنسان إلى غايته، بل لا بد له من أن يكون منطقياً وطبيعياً مع نفسه، ومع الدنيا من حوله، فيبدأ الصعود على درج السلم خطوة خطوة. وكثير من الشباب المثقف يريد أن ينال الشهرة والمجد، وأن يصبح أديباً مشهوراً في ثوان، ومع أن هذا مخالف لنواميس الحياة، فإن الأديب لا يمكن أن يصبح كذلك إلا إذا كدَّ وتعب وأضنى نفسه في القراءة والكتابة والدراسة، وعلم أن الشهادة التي يحملها ما هي إلا جواز سفر يؤهل الإنسان لبدء البحث عن الحقيقة، وعن الثقافة والفكر وعن الحياة نفسها.. فليست الشهادة إلا السلم الذي لا بد للإنسان من الصعود عليه لكي يتسنى له أن يبحث عن الثقافة. وأن يسعى إلى تحصيلها، ليصبح له الحق في أن يعد نفسه من زمرة المثقفين. إن معارف الشاب المحدودة التي يحصلها أثناء دراسته الجامعية هي ألف باء الثقافة، أما الوصول إلى لجي الثقافة نفسها فهو محتاج إلى سباح ماهر يعرف كيف يخوض غمار الموج، وكيف يقتحم لج الماء. لا يمكن للإنسان أن يدّعي أنه يعيش عصره، وهو قانع بمعلوماته الضيقة التي تلقاها في المدرسة، دون أن يضيف إليها كل لحظة جديداً من القراءة والمطالعة والبحث والتنقيب عن مغاليق الحياة، وأسرار الوجود، ومن الفهم لمشكلات المجتمع الذي يعيش فيه، والناس الذين يعايشهم، والعصر الذي يحياه. ولا يمكن أن يعد الإنسان نفسه مثقفاً إلا إذا اطلع على نتاج الحاضر، وتراث الماضي، لا لوطنه فحسب، بل للانسانية جمعاء، لكي يضع قدمه على أرض صلبة، ولكي يعرف كيف يسير، وإلى أين يسير، ومن أين يبدأ، وإلى أين ينتهي؟؟؟ الثقافة هي سلاح الشاب اليوم في زحام الحياة، ولا بد من بذل الجهد والمشقة في تحصيلها، والثقافة هي الطريق إلى العلم وإلى البحث، وإلى الحياة والتقدم، وإلى المدنية والحضارة، وإلى كل ابتكار وتجديد في الحياة، وكل أصالة وعمق في الفهم والتفهم للحياة والكون والوجود، بل للانسان نفسه، ولمذاهب الفكر، ومدارسه على طول العصور.
|