كعادتنا ما أن يأمر صاحب القرار السياسي بتغيير وزاري ممثلاً في تعيين وزراء جدد وإعفاء أو نقل وزراء الى مواقع أخرى إلا ويتنبه البعض فجأة بعد إغضاء طرف طويل كانت فيه (خشية المنصب) مثل عيون الحب عن كل عيب كليلة الى تلك السلبيات التي كان الصمت عليها من شيم العرب في الصبر على أصحاب السلطات لريثما يجردهم الوقت من هيبة الكراسي. وكان من أبجديات الانتماء والولاء الوطني والحرص على إصلاح ما يخص الصالح العام ان تأتي هذه الصحوة والمسؤول على رأس العمل، إلا ان العتب في ذلك على غياب قنوات ومؤسسات وآليات الديموقراطية للمتابعة والمحاسبة وليس على (الطليان) كما يقول إخواننا في لبنان. ولقد فاحت رائحة تلك العادة غير الحميدة بتأجيل نقد المسؤول لحين ابتعاده المفاجئ أو المرتجى عن موقع المسؤولية في أكثر من مقال مما نشرته الصحافة الورقية والالكترونية حيث طُرح ما قد يكون قصر فيه هذا الوزير أو ذاك، مما جاء في شكل انتقادات تصريحية أو تلميحية للأداء السابق لبعض الوزراء في تسيير المصالح العامة المعنية في هذه الوزارة أو تلك، مما جرى فيها تغيير الوزير. وإذا كان جزء لا يعتد به تماما من عادة الامتناع عن نقد أداء المسؤول إلا من باب التبرير للجبن الفردي أو التهيب الجماعي أو الحالتين مما يعود كما يشاع للحصانة (الإعلامية) التي ينتزعها الموقع لشخوص أصحاب (المعالي) فإن الجزء الأكبر من هذه العادة قد لا يعدو أن يكون تحسساً مفرطاً من بعض المسؤولين تجاه النقد أو تحسباً غير دقيق وربما في غير محله من المواطنين وممن يحملون أمانة الكلمة مما يحملهم على (التقاعس) عن أدائها وتأجيلها لحينما رحيل المسؤول يحين. وفي الحالتين فإن الأمر ليس إلا تعبيراً عن افتقادنا المريع لبعض أهم أساسيات التعامل الحضاري والمدني مع شؤننا العامة. ومن هذه الأساسيات الغائبة: 1- غياب التمييز الموضوعي بين الشخص وبين المنصب الذي يشغله إن لم يكن اختلاق هيبة شخصية للأشخاص تستمد من المركز الوظيفي الذي يفترض أنه وجد لخدمة الناس فيصير وكأنه وجد لتحجيم (هؤلاء الناس) من عموم المواطنين بسلطة المركز. ويصار الى الخلط بين مهام منصب - ما - وصلاحياته ومقتضياته وواجباته بما فيها واجب تقبل النقد وبين الشخص. وقد حدثني وزير شاب أثق في روحه النقدية والوطنية ورؤيته الادارية كيف أنه يصعب على من يتولون مهام (كبيرة) وإن كان لبعض القرى النائية أن يعودوا للعمل في أي موقع وظيفي كانوا يشغلونه سابقاً في أي مؤسسة حكومية أو أهلية وذلك لسبب بسيط هو أن مواقعهم في تلك المناصب تفقدهم اللياقة (المدنية) للتعامل مع جمهور الوظيفة الأهلي في المدن خاصة بغير ما عودتهم عليه تلك المناصب من تفخيم كان قد قدم لهم نتيجة الخلط بين سلطة الشخص وبين خصائص المنصب فتراهم كما قال لي ذلك المسؤول ذو العين الناقدة لا يحضرون الى دوام الوظيفة إلا بعد أن ترتفع شمس الصحىفي كبد السماء وهم حين يحضرون بعد رفع دفتر التوقيع يحضرون متلفعين بالمشالح والبشوت المفحفحة برائحة البخور ودهن العود والورد ويقبعون في المكاتب لا يحركون ساكناً على أمل أن يأتي جمهور المراجعين لا للمراجعة في شؤون حيوية، عليهم أن يخدموهم فيها بإنجازها ولكن بتوقع أن هذا الجمهور لم يأت إلا للسلام عليهم وتقديم بعض العرائض بحاجاتهم. 2- غياب مفهوم العمل كقوة تمكين عامة للمجتمع لقضاء حاجاته ولإنجاز معاملاته وللتعبير عن النزاهة الشخصية وشرف الانتماء الوطني وليس كمجرد وظيفة للوجاهة لمن هم في أعلى السلم الوظيفي ومجرد وسيلة للتعيش والاسترزاق من ظهر الوظيفة لمن هم في المواقع الدنيا من ذلك السلم على حساب جودة الأداء. ومن الأمثلة اليومية على غياب مفهوم العمل كأداة تنموية وهدف تطويري للمجتمع في ذهن عدد لا يستهان به من العاملين في القطاع العام والخاص التي تستشري في المؤسسات استشراء النار في الهشيم وتكاد تصبح سمة من سمات (الخصوصية) السعودية مسألة الوساطة. وهي ما يسمى في الوصفات الشعبية بفيتامين (واو). وهذه للأسف ليست معلومة جديدة نضيفها الى جهود وزارة العمل في جمع المعلومات عن سوق العمل ودينماميكية العرض والطلب، فمن الشائع والذي قد يحظى بالتشجيع للاحتفاظ لأصحاب الحظوة بكرامة و(جمائل) الشفاعات هي ان التوظيف من وظيفة (سيكورتي) أو مراسل الى وظيفة وزير أو مدير أو مستشار لا تتم دائماً بناء على ما يعرف الموظف بل بناء على من يعرف. 3- غياب (تقاليد النقد البناء. وهو غياب مركب. فهناك غياب لتقاليد تقديم النقد البناء من قبل المواطنين والمعنيين منهم بالشأن الاجتماعي والسياسي العام. وهناك غياب تقبل النقد البناء من قبل من هم في موقع المسؤولية. ويتسع غياب النقد لمؤسسات النفع العام وخاصة الحكومي منها أمام تفشي فهم خاطئ للنقد يقرنه بالخروج على الطوع أو التطاول -لا سمح الله- على الحكومة دون تمييز بين نقد أداء المؤسسات العامة بما فيها أجهزة الدولة التنفيذية وبين التمسك بالولاء للصفة الاعتبارية والموقع الوطني للدولة والقائمين عليها حيث يكون النقد البناء في صالح حماية هذه المؤسسات من الجمود أو الفساد أو تدني الانتاجية أو سوء التخطيط أو ما إليه من السلبيات البيروقراطية وسواها التي لا غنى لأي جهاز من أجهزة المصالح العامة سواء كانت أهلية أو حكومية من مراجعة نقدية لاصلاحها بأسلوب الاصلاح المستدام على طريقة التنمية المستدامة وإلا سبقها الزمن ولحقها التراجع. 4- تحييد رأي المواطن إن لم يكن تهميشه أو تسفيهه وعدم وضع هذا الرأي في الحسبان فيما يقدم له من خدمات أو في أساليب تقديمها. فيصير الأمر وكأنه يُستكثر على المواطن ان يكون له رأي نقدي. ويعم شعور عام ليس تواطؤ المواطن فيه بأقل من تواطؤ بعض المسؤولين مما يقال مشافهة أو مواربة (ألا يكفي المواطن أن تقدم له هذه الخدمة أو تلك ليتجرأ على انتقادها). فتصير أمثال الاخوة في بعض بلاد الشام كقول (كل وأشكر أو إن لم تشكر فعليك بالتزام الصمت) أو كقول (اليد اللي ما تقدر تردها بوسها في العلن وادعي عليها بالكسر في السر) تعبير عن بعض واقع الحال. وقد سمعت بأذني في دائرة حكومية من تلك الدوائر القليلة التي تدخلها النساء لقضاء حوائجهن على امتعاض من شخص البواب الى شخص المدير من يقول لزميله (شحات ويشترط) في التعليق على مواطن وجّه نقداً (مهذباً) لأسلوب بليد من أساليب معالجة المعاملات. ولنا أن نتخيل أو ربما لا يحتاج الأمر الى خيال أي اغتراب يحسه المواطن وأي مهانة عليه أن يبتلعها حين ينظر لمطالبته ببعض حاجاته أو ربما حقوقه كنوع من (الاستجداء). وفعلا هناك عشرات الأمثلة اليومية التي تمر بنا والتي نرى فيها المواطن حين يطلب حاجة من مسؤول فإنه لا يستجاب له إذا لم يطلبها إلا بشكل لا يخلو من الاستنخاء أو الاستجداء. 5- غياب الاحتكام الى التقنين: وهذا قد لا يتمثل بالضرورة في غياب التقنين وإن كان هذا الشق لا يخلو من شكوى ولكنه يتمثل أيضا في عدم الوعي العام بالتقنين إن وجد وعدم المعرفة بلوائحه المنظمة وسبل الاحتكام إليها أو عدم تداولها بين المواطنين المعنيين أو تعقيد أسلوب كتابتها بما يصعب التعرف ما على المواطن وما له فيها إن أراد المراجعة أو تعرض لموقف يستدعي الاستعانة بها. فمثل هذا الغموض التقنيني يجعل من عملية اتخاذ موقف نقدي مهما كانت ضرورته للصالح العام موقفاً محفوفاً بمحاذير أبسطها الاتهام ب(اللقافة) والتدخل فيما لا يعنيه كما قد يذهب ظن رئيس التحرير بهذا المقال إن لم أتوقف عن الكلام المباح عند هذه النقطة. هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد.وفيما بعد الختام، سيكون لي بإذن الرحمن في الأسابيع القادمة- تجاوباً مع اقتراحات بعض الرسائل الالكترونية التي وصلتني من عدد كبير من القراء- وقفة من بعض وزراء الوزارات الجدد لطرح بعض المطالب أو الأحلام قبل أن يفقدهم تقادم العهد بالمقعد الجديد لياقة القدوم. وربما أبدأ بوزارة الثقافة والإعلام التي هنأنا أنفسنا على الاختيار الموفق لوزيرها، ونراهن على ألا تخوننا التوقعات.
|