جاءهم نور يهتدون به، فرأوا به ما لم تره أبصارهم، وعقلوا ما عميت عنه بصائرهم، فأصبحت حياتهم صبحاً لا ليل فيه، وهو فيهم إشراقة شمس لا تغيب، فساروا معه على محجة بيضاء ليلها كنهارها، وهو في مقدمتهم سراج يضيء بالهدى، ويشهد بالحق، ويبشر بالخير، وينذر من الشر، ويدعو إلى التي هي أقوم، مصداقا لوصف ربه له من فوق سبع سماوات { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا}(45-46)سورة الأحزاب. لا يشعرون معه بغربة، ولا بينهم وبينه مسافة، أو حواجز.. لا يخافون منه بطشاً، ولا يرهبون منه تكبراً أو غروراً، فإذا رأى من أحدهم شيئاً من ذلك خاطبه بلين: (رويدك.. إنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد في مكة)، فعرفوا أنه جزء منهم، جاءهم من أنفسهم { لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} (128) سورة التوبة، فأصبح أغلى ما على هذه الأنفس، وأعز ما لديها، تفديه بالمهج الغالية، وبكل ما تملك، فكان منّة الله لهم {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ} (164) سورة آل عمران.. اصطفاه الله من بين الرسل، وجعله أفضلهم، وخلاصة الجنس البشري.. نور خالص يرون على ضوئه كتاب هدايتهم { قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} (15) سورة المائدة. وإذا كان ربهم قد أكرمهم به حين جعله منهم، فلم يرسله لهم وحدهم، فالله رب العالمين جعل نوره رحمة للمخلوقات أجمعين {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }(107) سورة الأنبياء.. للمؤمن رحمة بالهداية، وللمنافق رحمة بالأمان، وللكافر رحمة بتأخير العذاب. وربط ربه طاعة عباده له بطاعتهم له {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ }(80) سورة النساء، وأعلى مكانته {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} (4) سورة الشرح، وقرن اسمه باسمه، فليس من خطيب ولا متشهد ولا مُصَلٍّ إلا يقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله)، وجعل ربه الإيمان به مرتبطا به معه {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} (7) سورة الحديد، فجمع بينه وبينه بواو العطف المشركة، ولا يجوز هذا الجمع في غير حقه وحده، وربط الله محبة عباده باتباعهم له، وأمره بإعلان ذلك {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} (31) سورة آل عمران. أخبر ربه عنه في كتب أنبيائه فجاء في التوارة (عبدي أحمد المختار مولده بمكة، ومهاجره بالمدينة، أمته الحمادون لله على كل حال)، وأكد ذلك في (النور) الذي أنزله معه { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }(157)سورة الأعراف. ارتفعت منزلة أمته بارتفاع منزلته عند ربه، فأصبحت أمته حجة على كل من خالفها من الأمم، واصبح هو حجة عليها { وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} (78)سورة الحج. ويخشى على أمته إذا ارتكست من بعده، رحمة بها، من أن يكون شاهدا عليها يوم التناد، فيبكي حتى تتبلل لحيته من الدمع، حيث ينزل عليه قول ربه {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا} (41) سورة النساء، وهو الشفيع لأمته عند ربه وهو بالمؤمنين الرؤوف الرحيم، ثم يطمئن قلبه بقول ربه لعباده {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(28) سورة الحديد. وأضحت مكانته عند ربه رحمة بالذين كفروا به، فلم ينزل الله بأهل مكة العذاب وهو فيها {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}(33) سورة الأنفال، فلما هاجر من مكة أنزل الله قوله {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ}(34) سورة الأنفال، فكان وجوده بها يدرأ العذاب عن كفارها، ثم نصره عليهم، وأورثه أرضهم وديارهم وأموالهم. وجعل ربه الاستغفار من بعده أمانا من العذاب {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ}(33) سورة الأنفال. ومن إعلاء ربه لمنزلته، ومحبته له، يقدم له العفو قبل العتاب حتى يطمئن {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} (43) سورة التوبة، رحمة به من مخافته وهيبته، مثل يضربه رب العزة لعباده في أدب العتاب مقدما الإكرام قبل العتب، والإيناس بالعفو قبل ذكر الذنب. عصمه ربه من غدر الناس، ومكرهم، وخيانتهم، ووشايتهم بوعد منه {وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (67) سورة المائدة، وأخبره بكيدهم له، وتربصهم به، وبأن نتيجة عملهم إلى بوار؛ إذ يتصدى لهم رب العزة بنفسه {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} (30)سورة الأنفال، ثم يبلغ المتخاذلين عنه بالنتيجة {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ}(40) سورة التوبة. ويجمع له ربه وجوه السعادة في الدارين بالوعد بالرضا التام {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى }(5) سورة الضحى، ويجعل الكوثر حوضه في الجنة، ويجعل له الشفاعة، ويجعل له المعجزات {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} (1) سورة الكوثر، ثم يجيب عنه في وصف عدوه: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} (3) سورة الكوثر، ويتكفل له بالحماية والولاية ويعلن ذلك {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ} (4)سورة التحريم.وتبلغ مكانته عند ربه ذراها فيصلي عليه، ثم يأمر ملائكته بالصلاة عليه ويأمر المؤمنين: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(56) سورة الأحزاب. صلى الله عليه وسلم.. أمرنا الله بها لنعمل بها اقتداءً واتباعاً ومحبة.. فالصلاة والسلام عليه محبته، ليس كلمات نرددها بلا شعور بها أو عمل بما يجب أن تحثنا عليه.. محبته صلى الله عليه وسلم ليست أناشيد ننشدها، وليست أحاديث نتلوها، ولا خطبا نكررها ولا احتفالات نقيمها.. محبته صلى الله عليه وسلم إيمان بما أنزله الله عليه، وعمل بما جاء به، والتزام بسنته قولا وفعلا، ودراسة حياته للاقتداء به، واقتفاء سيرته للاعتبار بها.. ومَنْ خرج عما جاء به، وخالف سنته، وأحدث في دينه ما ليس فيه فهو يبرأ منه. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، وقد صلح أمر أصحابه بالعمل بما أنزله ربه عليه، فلا يقفون على حديث من أحاديثه صلى الله عليه وسلم، ولا يحفظون آية أخرى إلا بعد العمل بما حفظوه قبلها.وحتى يعمل الحافظون بما حفظوا، ويعمل السامعون بما سمعوا أو قرؤوا من سيرته إيمانا واقتداء ومحبة، نستطيع أن نقطع المسافة التي بيننا وبينه صلى الله عليه وسلم، وسيعود إلى حياتنا سراجا منيرا، ونصرا مبينا، وهداية لا نضل بعدها، ومحبة صادقة تهون علينا في سبيلها أنفسنا، وتصغر أمام أعيننا لأجلها الدنيا وزينتها، لا نفضل عليه فيها أبدا أُمّاً ولا أباً، ولا مالاً ولا ولداً.. وصلوات الله وسلامه عليه.
|