تروي كتب التفسير والسيرة والتراجم أن عبدالله بن سعد بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- الوحي، فربما أملى عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (سميع عليم) فيكتب: عليم حكيم، فيقره رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فيقول: كذلك الله، ويقره فافتتن، وقال: ما يدري محمد ما يقول، إني لأكتب له ما شئت. هذا الذي كتبت يوحى إلي كما يوحى إلى محمد، وخرج هارباً من المدينة إلى مكة مرتداً، فأهدر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- دمه يوم الفتح، فلما كان يومئذ جاء ابن أبي سرح إلى عثمان بن عفان وكان أخاه من الرضاعة فقال: يا أخي، والله اخترتك فاحتبسني هاهنا، واذهب إلى محمد فكلمه في، فإن محمداً إن رآني ضرب الذي فيه عيناي. إن جرمي أعظم الجرم، وقد جئت تائباً فقال عثمان: بل اذهب معي. قال عبدالله: والله إن رآني ليضربن عنقي، ولا يناظرني، قد أهدر دمي، وأصحابه يطلبونني في كل موضع. فقال عثمان: انطلق معي فلا يقتلك- إن شاء الله-، فلم يرع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- إلا بعثمان آخذاً بيد عبدالله بن سعد بن أبي سرح، واقفين بين يديه، فأقبل عثمان على النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إن أمه كانت تحملني وتمشيه، وترضعني وتفطمه، وكانت تلطف بي وتتركه، فهبه لي، فأعرض عنه رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وجعل عثمان كلما أعرض عنه النبي- صلى الله عليه وسلم- بوجهه استقبله فيعيد عليه هذا الكلام، وإنما أعرض عنه النبي- صلى الله عليه وسلم- إرادة أن يقوم رجل فيضرب عنقه لأنه لم يؤمنه، فلما رأى ألا يقوم أحد وعثمان قد أكب على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقبل رأسه وهو يقول: يا رسول الله، تبايعه فداك أبي وأمي، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: نعم ثم التفت إلى أصحابه فقال: ما منعكم أن يقوم رجل منكم إلى هذا.. فيقتله - أو قال: الفاسق - فقال عبد بن بشر: ألا أومأت إلي يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق لأتبع طرفك من كل ناحية رجاء أن تشير إلي فأضرب عنقه - ويقال: قال هذا أبو اليسر، ويقال: عمر بن الخطاب - فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: إني لا أقتل بالإشارة، وقيل: إن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال يومئذ: إن النبي لا يكون له خائنة الأعين، فبايعه رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، فجعل يفر من رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كلما رآه. فقال عثمان: يا رسول الله، بأبي وأمي لو ترى ابن أم عبدالله يفر منك كلما رآك فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: أولم أبايعه وأؤمنه؟ قال: بلى، أي رسول الله، ولكنه يتذكر عظيم جرمه في الإسلام. فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (الإسلام يجب ما كان قبله)، فرجع عثمان إلى ابن أبي سرح فأخبره، فكان يأتي فيسلم على النبي- صلى الله عليه وسلم- مع الناس. قال شيخ الإسلام ابن تيمية معلقا: (فهذا ونحوه مما يبين أن النبي- صلى الله عليه وسلم- يستوي ظاهره وباطنه، لا يظهر للناس خلاف ما يبطنه، كما تدعيه الزنادقة من المتفلسفة والقرامطة وضلال المتنكسة ونحوهم). وقد فسر القرطبي (خائنة الأعين) وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، وقال عمر بن عبدالعزيز: إذا رأيت القوم يستترون بدينهم عن العامة فاعلم أنهم على تأسيس ضلالة. كل ذلك استوقفني حزيناً وأنا أعرض على ذلك المنهج الواضح ما تقوم به بعض الجماعات السرية والتنظيمات الحزبية تحت ذريعة الدعوة إلى الله واستغلال ذلك استغلالا حركيا لتحقيق مآرب هي أبعد ما تكون عن الإسلام حتى سحب البساط من تحتها من قبل الحكومات بعد المواجهات التي أدت إليها تلك السرية وعدم الشفافية في تبني مشروعات خيرية وجماعات دعوية، والزج بشباب صغار في أيدي أنظمة لا ترقب في مؤمن إلاً ولا ذمة، فأسقطت تلك الجماعات مشروعها لما تحول إلى هدف سياسي وعمل باطني في عقر دارها مما وضع حاجزا كبيراً بينها وبين شعوب الأرض نتيجة تلك السرية، وسيدنا المصطفى- صلى الله عليه وسلم- كان واضحا في دعوته، ولم يشكل تنظيماً سريا يهدف اغتيال صناديد قريش والمعارضين للدعوة تحت مصطلح (الخلية) وكان الأمر أسهل بكثير مما نحن عليه الآن في ظل أنظمة استخباراتية مخيفة، فلماذا لا يتبعه الدعاة في وضوحه وهو المثال الأول والمعلم الأول بأبي هو وأمي، ومازلنا نسمع من أولئك المنظرين ما يسمى بالدعوة السرية في مكة ليضفوا على مشروعهم السري الشرعية مع الفارق وهو مصطلح غير صحيح فالدعوة بدأت فردية من المصطفى- صلى الله عليه وسلم- ولم تكن سرية ذات يوم، والدليل على ذلك أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- بدأ الدعوة في منتديات قريش وأماكن تجمعهم واجتماع العرب في مكة والأسواق، ثم عرض نفسه على القبائل، وكل ذلك يفند مصطلح السرية انطلاقا من قوله تعالى:{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}، وقد فسرها مجاهد كما في السيرة النبوية لابن إسحاق بأنه أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أن يجهر بالقرآن بمكة. وقال ابن إسحاق: لما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله- صلى الله عليه وسلم- الاستهزاء أنزل الله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ}. والمعنى: اصدع بما تؤمر ولا تخف غير الله؛ فإن الله كافيك من آذاك كما كفاك المستهزئين، ولا يمكن أن تنسى جهوده الفردية- صلى الله عليه وسلم- مع أهله وأقربائه وجيرانه مدة ثلاث سنوات فقط، وكان يتبعه القلة في دار الأرقم، وقال ابن اسحاق أيضاً: وفشا الإسلام بمكة ثم أمر الله رسوله فقال: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}. ولما كثروا أظهر الدعوة، وأما التنظيم السري فأتباعه كثير لا يحتاجون للسرية، وبكل أسف ظلوا يمارسون أنشطتهم وتربية أتباعهم على منهج معين على مدى خمسين سنة أو أكثر في مجتمعاتهم تحت مبدأ سري يتوافق مع {خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ} إذ يظهرون ما لا يضمرون، فما بلك إذا كانوا في مجتمع مسلم وربما في دولة مسلمة ترعى الدعوة والدعاة بمؤسساتها الحكومية وتصرف عليها الميزانيات الضخمة، فوراء الأكمة إذن ما وراءها، وكم مرة سمعنا من التائبين في مراجعاتهم أنهم كانوا مراقبين من قبل رموزهم في كل حركاتهم وسكناتهم، ولو كان على مستوى اتصال بأهليهم مما يعطي دلالة واضحة على سوء النية وخطورة الهدف، بل إن المصاب ممن ينتمي لخلاياهم يموت نزفا بين أيديهم ولا يعرضونه على طبيب يعالج إصابته ويوقف نزفه خشية أن تفشى الأسرار، ولذلك تم عزل أصحابهم عن أمهاتهم وآبائهم وإخوانهم حتى إن الشاب يغيب عنهم شهورا ليقطع رحمه، فأي إسلام يأمر بذلك في صورة لا تختلف عن الحركية القرمطية الباطنية في قصة ساقها ابن الأثير تبين الانحدار الاجتماعي الذي خلفته الباطنية على أفراد البيت الإسلامي فقال ذكر عن متطبب بباب المحول يدعى أبا الحسين قال: جاءتني امرأة بعدما أدخل القرمطي صاحب الشامة بغداد، وقالت: أريد أن تعالج جرحاً في كتفي؛ فقلت: ها هنا امرأة تعالج النساء، فانتظرتها فقعدت وهي باكية مكروبة، فسألتها عن قصتها قالت: كان لي ولد طالت غيبته عني، فخرجت أطوف عليه البلاد فلم أره، فخرجت من الرقة في طلبه، فوقعت في عسكر القرمطي أطلبه، فرأيته، فشكوت إليه حالي وحال أخواته، فقال: دعيني من هذا أخبريني ما دينك؟ فقلت: أما تعرف ما ديني؟ فقال: ما كنا فيه باطل، والدين ما نحن فيه اليوم؛ فعجبت من ذلك، وخرج وتركني، ووجه بخبز ولحم، فلم أمسه حتى عاد فأصلحه. وكلام شيخ الإسلام السابق يدل على أن هذا السبيل باطنية وإن كان قد جاء في رده على فرق الباطنية إلا أنه منهج يشمل الدعوة بكل وسائلها، قال ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين محذراً من الخيانة والحيل وعند قول القائل لسلمان: لقد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، فقال: أجل؟ فأين علمهم الحيل والمخادعة، والمكر وأرشدهم إليه ودلهم عليه؟ كلا والله! بل حذرهم أشد التحذير، ووعدهم عليه أشد الوعيد، وجعله منافياً للإيمان، وأخبر عن لعنة اليهود لما ارتكبوه، وقال لأمته: لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله تعالى بأدنى الحيل، وأغلق أبواب المكر والاحتيال، وسد الذرائع، وفصل الحلال عن الحرام، وبين الحدود، وقسم شريعته إلى حلال بين وحرام بين وبرزخ بينهما؛ فأباح الأول، وحرم الثاني، وحض الأمة على اتقاء الثالث خشية الوقوع في الحرام، وقد أخبر الله تعالى عن عقوبة المحتالين على حل ما حرمه عليهم وإسقاط ما فرضه عليهم في غير موضع من كتابه. وأما استدلالهم بقوله تعالى:{إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً}فغير صحيح لأن ذلك مع الكفار، وقد وضع العلماء له شروطا، نقل القرطبي في تفسيره: قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين؛ فأما اليوم فقد أعز الله الإسلام أن يتقوا من عدوهم. قال ابن عباس: هو أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يقتل ولا يأتي مأثماً. وقال الحسن: التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة، ولا تقية في القتل. وقرأ جابر بن زيد ومجاهد والضحاك: { إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَية}وقيل: إن المؤمن إذا كان قائما بين الكفار فله أن يداريهم باللسان إذا كان خائفاً على نفسه وقلبه مطئمن بالإيمان، والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم. فما بالهم جعلوا التقية فيما بينهم، وتفننوا في أساليبها حتى وصل الامر إلى فتاوى تجيز قتل بعضهم وارتكاب المآثم ولم يكونوا خائفين، بل هم مصدر الخوف والترويع، مع أن علماء الإسلام لم يجوزوها مع الكفار إذا كانت تؤدي إلى ما أدت إليه على يد الحركات الباطنية والتنظيمات السرية في ديار الإسلام والمسلمين نسأل الله جل وعلا العفو والعافية، ومن ينعم النظر ويمعن الفكر في نتائج تلك السرية فكريا واجتماعياً وسياسياً يجدها مضرة بالعمل الإسلامي وكل مطلع على النشاط الحركي الباطني والتنظيم السري يقف على تشويه بقصد أو بغير قصد للإسلام من خلال وضع المسلمين في قفص اتهام عالمي بالإرهاب، وفرض مواجهات عليهم وهم لا قبل لهم بها بعد أن نقلوا المعارك إلى دار الإسلام، وتعذر على المسلمين قضاء حاجاتهم في بلاد الغرب وركزت الباطنية بحركاتها المختلفة منذ القدم على إزالة الاحترام الذي فرضه الشرع المطهر لولاة الأمر والعلماء من نفوس الناس بالتركيز على بعض القضايا المهمة كالفقر والبطالة والحرب على الإسلام والأثرة والعبث بالمال العام ليؤثروا على العامة في سبيل الوصول إلى الغاية من التنظيم، وهذه القضايا لا يمكن لعاقل أن يغفل خطرها وآثارها المدمرة، إذ لا يمكن صياغة مواطن صالح يشعر بواجباته تجاه وطنه في ظل هذه الأخطاء التي قد تضخم وتستغل من قبل المرضى والمتربصين لتقويض أركان الدولة المسلمة بأي طريق، وتحت أي ذريعة مما يولد مجتمعا مهلهلاً وقابلا للتفكك وغير قادر على مواجهة أعداء الأمة الظاهرين، ولذلك كانوا خير عون للحملات الصليبية على العالم الإسلامي قديما وها هم يطلون برؤوسهم في كل أزمة يمر بها العالم الإسلامي حديثا ليفتحوا جبهة داخلية، كان الله في عون أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- والله من وراء القصد.
*الإمارات العربية المتحدة
|