تكاثرت الخراشُ يا نوَّارة: وناقوسكِ بعد يرسل نقراته تدبُّ فوق صفحة ذاكرتي، الأطفال يقولون إنَّ أسرَّة المصحَّات لم تعد تكفي فيما المقابر تفتح أفواهها بكثرة...، وفي ذلك اللَّيل البهيم أعارت النَّار وجهها للغسق، فاستيقظ الناس يحسبونها الشّمس، وعندما غسلوا وجوههم، وارتدوا معاطفهم ليتَّجهوا إلى المدارس، والأعمال، التهمت ألسنتها أجسادهم بعد أن تحفَّزت بأرديتهم...، عجوز همست بصوت شجَّه الجرح في أذن الدنيا: بُقرت بطني وأنا أتَّجه للمقبرة، لم يعد فيَّ رمق...، والناس ذئابٌ يا نوَّارة، لكنَّهم يرقصون... جاءني وجُهك في منامي، قلتُ لكِ أتلهَّفُ لحظةً أتأمَّلُكِ، لم أنْس تفاصيلَكِ أبداً، وما أنكرتُ صوتكِ، أيعقل أن أنسى ذاتي، الناس لا تعرف سوى وجوهها، لكنَّني أنكرت بينهم وجهي، ذكَّرني صوتُكِ بقصة كنتِ تردِّدينها عليَّ قبل النوم، كثيراً ما ربَّت الهدهدُ على كتفي وأنتِ تودعين في رمزه عندي صندوق الذكريات، فتحته أمس، جلستُ إليكِ، ردَّدت معكِ حرفاً حرفاً وأدركتُ أنَّ الأبجديةَ أنتِ... أخبرتك بأنَّ وجه الحياة تبدَّل، وأنَّ نبوءة أبجدية الهدهد قد امتثلت يا نوَّارة، والأفران ليست تشوي الأرغفة، صارت تقدم لحوم البشر والناس تقف طوابير تتلقَّف واحداً في إثر عشرات يا نوَّارة... تكاثرت الخراش... ولم يعد الأمل بخفي حلمٍ، ولا حنين... القوافل اللَّيلية تئن... والقوافلُ النَّهارية تصرخُ... والناس تتكتَّل في المحطَّات... وأنتِ، تركتِ لي ناقوسكِ ينقر على باب اللَّحظات... يمنحني رهبة القادم، ويمنحني سكينة مثولكِ... ليس من شيء أقوى على الصمت أو الصوت إلاَّ أن أفتح معكِ صندوقكِ واستلُّ منه مسبحتكِ، وأكرَّر فيه أبجديَّتكِ، تلك مؤونتي كي أزدرد الذي بقى... أيامٌ طويلة عريضة يا نوَّارة، منذ غادرتِ إلى أن جئتِ... هناك في المساء الذي رأيتكِ كان كلَّ شيء يصغي إلى شواء الأفران وهي تتقد على أصواتِ الأطفال، ونواعير السَّواقي تئن عطشاً، وأبواب المصحات قد انفرجت، بينما الأسِرّّة لم تعد تستوعب، فيما المقابر يضج فيها الترحيب. للهِ كم بقي كي ألتقيكِ، فانبئي بالذي أشهد؟!.
|