قد يمثل السفر متعة عند الكثيرين، ولكن لم تكن الحال كذلك بالنسبة لي. فقد اقتضت حكمة الله أن أحلق في الفضاء الشاسع تحملني أجنحة معدنية إلى مدينة (أديس أبابا)، والتي قضيت فيها ما يزيد عن ثمانية أيام، وأتوقف عند محطة هامة أريد أن أثيرها في طرحي هذا.. لقد صادفت من الفوضى ما لم أره أبداً ففي فجر السبت 5-2-2005م توجهت إلى المطار استعداداً للسفر، بعد أن فقدت الأمل في وجود رحلة على الخطوط السعودية، مما اضطرني للحجز على الخطوط الأثيوبية، فذهبت الساعة الواحدة والربع صباحاً وأفاجأ بتأخر الرحلة حتى الظهيرة.. وكم عانيت وأنا اتخطى تلك الجموع الغفيرة من الحجاج الذين استلقت أجسادهم فوق قارعات الأرصفة ملتحفين أمتعتهم في المطار، ينتظرون الرحلة المتأخرة! لم يكن أمامي سوى أن أرضخ للأمر الواقع لأعود لمنزلي وفي الصباح الباكر توجهت مرة أخرى للمطار، ولم يكن ذاك الالتزام في الخطوط، فقد أخذنا ننتظر ثماني ساعات أخرى.. وكلما سألت الموظفين المسؤولين لا نجد إجابة شافية لديهم، فهم الآخرون ليس لديهم علم بموعد اقلاع الرحلة، وكم نالنا من الإرهاق والانتظار المرير، أرهقنا نحن وغيرنا من المسافرين وبقينا حتى الساعة الثالثة والنصف عصراً، حينها أقلعت الطائرة بعد أن حملت أعداداً غفيرة من الناس مع أمتعتهم الكثيرة. والمعروف عن الأمة الافريقية أنهم كثيرو حمل الأمتعة فوق أكتافهم، كما أن أجسادهم قادرة على تحمل ما لا يقوى غيرهم على حمله ! أما أنا فقد نالني سوء حظ فكنت أحمل حقيبتي hand bag والتي أمسك بها أحد الموظفين عند سلم الطائرة وتعنت في رأيه ومنعني من حملها مثل غيري، رغم أن المسافرين كانوا محملين بالأمتعة ما لم تره عيني من قبل! وامتثلت لطلبه وتركت حقيبتي الصغيرة بعد أن أمسك بها، ونسي أن يضع عليها شريط اللاصق tag ، لأنه كان يتعامل مع المسافرين بحدة وفظاظة غير معهودة. لم أفاجأ عندما علمت أن الطائرة تحمل ما يزيد عن (350) راكباً، ومن الملاحظ في هذه الرحلة الغريبة التي أقلعت من غير أن تقدم للمسافرين التعليمات والإرشادات المتبعة للتعرف عليها عند الإقلاع وفي حالة حدوث طارىء لا قدر الله! وبعد ساعتين ونصف حطت رحلتي في مطار (أديس أبابا) وبين بحث مضني بين مئات من الحقائب والأمتعة الكثيرة، لم أعثر على حقيبتي الصغيرة، وغادرت المطار وكلي أمل أن أجدها. وعاودت كرة البحث في اليوم الثاني والثالث دواليك في متابعة مضنية مع المسؤولين وقسوة خيبة الأمل، وغدت الأيام في أرض النجاشي وأنا أبحث وسط الضباب المتراكم على بصيص أمل، عله يأخذني إلى ما يفيد! وكم كانت معاناتي مؤلمة مع رحلة سجلتها في ذاكرة الزمان!
|