Thursday 3rd March,200511844العددالخميس 22 ,محرم 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "الرأي"

اقتصاديات الحجاقتصاديات الحج
د. زيد بن محمد الرماني / عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام

العبادات في الإسلام جانبٌ مهم من جوانب الدّين، تحمل في حقيقتها معاني كثيرة، وأخلاقيات حسنة، تعود على المسلم فرداً وجماعة بالخير.
وفريضة الحج ركنٌ من أركان الإسلام الأساسية، والحج مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة وهو موسم عبادة وموسم تجارة، تصفو فيه النفوس والأرواح، وتروج فيها السلع والبضائع.
وأهداف الحج عظيمة، ومنها امتثال أوامر الله تعالى، وتصفية النفوس من المعاصي، وتزكية الأرواح من الخبائث، وتطهير القلوب من الأحقاد، وهو فرصة لتبادل المنافع الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، وجزاؤه الجنّة، قال تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}سورة آل عمران 96)، فبيّن تعالى أن البيت الحرام بمكة المكرمة وأن أول بيت وضع للناس وأشرف بيت جعل للعبادة، هدى للعالمين، ثم قال عز سبحانه: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} سورة آل عمران 97).
وقد أمر الله عز وجل عباده بأخذ الزاد الديني والدنيوي، فقال جل شأنه: {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} (سورة البقرة 197)، قال العلماء في الآية دعوة مؤكدة للتزود لسفر العبادة والمعاش وزاده الطعام والشراب والمركب والمال، والتزود لسفر المعاد، وزاده تقوى الله تعالى.
إنّ في الآية دعوةً صريحةً إلى التزود في رحلة الحج، زاد الجسد وزاد الروح، إذ جاء التوجيه إلى الزاد بنوعيه، مع الايحاء بالتقوى زاد القلوب والأرواح.
وفي الآية دليلٌ على معصية مَنْ لم يستصحب الزاد في السفر مع قدرته على ذلك، لتنتظم المصالح وتتحقق المقاصد، وفي قوله تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} (سورة الحج 27) بيان لحكمة الأمر بالحج.
ولذا قال العلماء: والمنافع التي يشهدها الوافدون إلى بيت الله الحرام كثيرة ومتنوعة، تختلف حظوظ الناس منها، فهناك منافع روحية، تفيض من جلال المكان وروعته وبركته، وهناك منافع مادية تجارية، وهناك منافع أخروية، قال النّسفي رحمه الله في تفسيره (فالحاج إذا دخل البادية لا يتكل فيها إلا على عتاده، ولا يأكل إلا من زاده، فكذا المرء إذا خرج من شاطئ الحياة، وركب بحر الوفاة، لا ينفع وحدته إلا ما سعى في معاشه لمعاده، ولا يؤنس وحشته إلا ما كان يأنس به من أوراده).
وهناك منافع اقتصادية عديدة، إذ يعتبر الحج مؤتمراً إسلامياً لحل مشكلات المسلمين الاقتصادية، وفرصة لعقد المؤتمرات والندوات في سبيل التوصّل إلى تكامل وتنسيق اقتصادي مشترك بين الدول الإسلامية.
وفي الحج رواج اقتصادي للمسلمين، إذ يتسم موسم الحج بالرواج الاقتصادي لما يتطلبه من سلعٍ وخدمات ومنتجات لازمة لأداء مناسك الحج، وكم من ملايين الريالات تنفق على وسائل الانتقال والسكنى وشراء المأكولات والمشروبات والملابس والذبائح.
ومن ثم، ففي موسم الحج تتجلّى الدعوة الصادقة لتطبيق الاقتصاد الإسلامي بمبادئه وقواعده المثلى، من تطهيرٍ للمعاملات من الخبائث، وتجنّبٍ للإسراف والتبذير والانفاق البذخي، وأكلٍ لأموال الناس بالباطل.
خاصة أن التجارة والعمل وكسب العيش في أيام الحج مباحة بنص القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}(سورة البقرة- 198).
قال العلماء: إن الشبهة كانت حاصلة في حرفة التجارة في الحج من وجوه، منها: أن الله تعالى منع الجدال، وفي التجارة جدال، وأنّ التجارة كانت محرمة وقت الحجِّ في دين أهل الجاهلية، قال القرطبي- رحمه الله- في تفسيره: لمّا أمر الله سبحانه بتنزيه الحجّ من الرفث والفسوق والجدال، رخّص في التجارة، وهي من فضل الله.
وفي الآية السابقة (البقرة- 198) إشارة إلى أن ما يبتغيه الحاج من فضل الله، مما يعينه على قضاء حقه، ويكون فيه نصيبٌ للمسلمين أو قوة للدّين، هو محمود، وما يطلبه لاستبقاء حظه أو لما فيه نصيب نفسه، هو معلوم.
ولذا، نزلت إباحة البيع والشراء والكراء في الحجّ، وسماها الله سبحانه ابتغاء من فضله ليشعر مَنْ يزاولها أنه يبتغي من فضل الله، حين يتّجر، وحين يعمل بأجرٍ، وحين يطلب أسباب الرزق أنه لا يرزق نفسه بعمله، وإنما يطلب من فضل الله فيعطيه الله تعالى.
ومتى ما استقر في قلب الحاج إحساسٌ بأنه يبتغي من فضل الله، وأنه ينال من هذا الفضل حين يكسب، وحين يحصل على رزقه من وراء الأسباب التي يتخذها للارتزاق، فهو إذن في حالة عبادة لله لا تتنافى مع عبادة الحج، في الاتجاه إلى الله تعالى.
إن على التاجر أن يلتزم بآداب التجارة في الإسلام ولا سيما وهذا فرض عين عليه في هذه المشاعر والمواقف، وليعلم أنّ الجالب مرزوق والمحتكر ملعون، وليعلم أنّ له الأجر من الله سبحانه، حيث قرّب للحجاج ما يحتاجون إليه، وجعله تحت سمعهم وبصرهم، وأنه في هذا يسهم في قضاء حاجة المسلمين فيقضي الله حاجته.
فإن اصطحب الحاج هذه المعاني السامية في تجارته في الحجّ، فإنه ضمن إن شاء الله أن يكون مع الذين الله ينعم عليهم والذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وأخيراً، فإنّ في موسم الحج فرصة للتعارف والتشاور، والتكافل والمواساة، وتنسيق الخطط وتوحيد القوى، وتبادل المنافع والمعارف والتجارب، فهل آن الأوان لذلك!!

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved