(1) البشرى
مذ كان طفلاً.. تأتيه أصواتُ الأمرِ.. عيباً.. لا ليس هذا ما نريده؟! ولكن أنا أريده.. يجيء الأمر الآن فعلاً.. شد الشعر.. ضرب الوجه.. دفع الجسم الغض على أقرب جدار بقوة؟! يعقب ذلك بعد قليل.. هللات يسيرة.. لا لكي يرضى بل لكي لا يبكي؟! هو لا يبكي؟ ولِمَ يبكي وهو لا يريد هللات كثيرة؟ ولا يطلب ألعاب الدنيا؟ صار الصغير رجلاً.. أنجب صغاراً.. صار ألعابهم؟ صاروا ألعابه؟! صار يحضنهم.. صار يبكي؟ يمسح بيده الجريحة على شعورهم.. يُقبل بفمه الظمآن وجوههم.. وهو كبير.. وهو غريب؟ لم تدعه أصوات العيب.. أصوات الحسد.. أصوات الغباء؟! ظل كما كان صغيراً.. يضحكُ على تلك الأصوات؟ يرحمها؟ يساعدها؟ يواسيها؟ يقتلع من ظهره ألف حربة؟ يعيدها نغماً؟ يعيدها وردة؟ يرجعها إليهم قصيدة عذبة؟! حينما يريد البكاء ثانية يحتضن صغاره يجعل وجوههم قرب قلبه.. يضمها.. يتلمسها.. يستنشقُ رائحة الصبر؟ يرفع رأسه عالياً.. يدعو ربه.. ينتظر الأمل.. ينتظر البشرى. (2) الفؤاد حين يؤسر
في غرفته الأثرية.. حيث لا تُشَاهد جدرانها.. فأدوات الماضي وبعض من حكم الأوائل وأشعارهم.. وشيء من نماذج أعمالٍ صنعها بيده.. كل ذلك - كان يغطي جنبات الغرفة.. حتى سقفها لم يدعه.. فقد وصلت إليه أنامله إذ سَقَفُه بكثيرٍ من أقمشة الماضي.. تتدلى منه صحائف تعود بقارئها إلى المجد العربي وعزته.. في تلك الغرفة.. طالما انتظر ولادة فؤاده؟.. وطالما طلع عليه نور الصباح.. مرتقباً ذلك الكائن الأمل.. يمسك بالقلم.. يكتب ما سوف يحتاجه فؤاده القادم.. حين بُشر بقدومه.. لم يطر فرحاً؟!.. لأن ما بداخله شعور وإحساس كان أكبر وأسمى من كل معاني الفرح؟ لقد جاء الفؤاد الأمل أدخله معه في غرفته.. وأغلق بابها.. وكم تمنى أن لا باب لها؟ برغم أن فؤاده لا زالَ في المهدِ صغيراً.. الا انهما يتناجيان.. يكلم فؤاده فيفهم؟.. فهو يردُّ عليه بضحكةٍ أو بابتسامةٍ كانتا كافيتين بأن تخاطب احداهما الأخرى؟!. لم يكن يتصور البتة ان فؤاده سيغيب عن عينه لحظة.. لكن القطة المسعورة استطاعت الدخول إلى غرفته.. وسرقت منه فؤاده.. سرقت حياته ونظره؟ سرقت بقاءه وكيانه؟ تلك القطة المسعورة.. الممسوسة خبثاً وغدراً؟ التي طالما أرادت هدم الغرفة وهو بداخلها؟! الآن تختلس الدخول؟ الآن تهتك الستور؟! ضاقت عليه غرفته.. حتى كأنه يحسُّ بها وهي وطنه التي يجد نفسه بداخلها من الضيق جحراً لا يكادُ يستطيع أن يدخل به يده؟!.. قبل أن تعصر الاستفهامات رأسه؟ توضأ طاهراً.. في بهيم الدجى.. صلى لله العدل.. سائلاً اياه بأن يُرجع فؤاده عاجلاً.. وان ينتقم من تلك القطة الخبيثة التي سرقت منه أغلى ما يملك؟؟! (3) السير على جمرات الصبر
قالوا له ذات مساء: - لا بد أن تذهب؟ في المدينة البعيدة ستستلم ورقة حريتك؟! ستخرجُ من جسدك العيون.. والظنون.. قالوا له: ليخرجن منك كل ملعون؟ لم تكن تلك المدينة هي الأولى التي بحث فيها عن ورقة حريته؟! لكن في تلك المدينة البعيدة أكدوا له ان فيها الورقة المفقودة؟ رغم آلامه الساكنة في قرارة أحشائه رغم غربته بينهم؟! رغم ابتعاده عن صاحبته النخلة.. التي قضى تحتها لياليه المجهدة وحيداً.. يحدق في أعلاها.. يرقب في فرجةٍ ما بينها وبين نخلة أخرى.. نجومٌ يظل يحادثها وتحادثه شوقاً أن يلتقيا؟! حتى إذا ما ودعته النجوم.. رجع مرتداً ببصره إلى أسفل صاحبته النخلة.. يطمئن على طريق سير جيرانه وأصدقاء غربتهِ من النمل؟! يضع في طريق سيرهم شيئاً من فتات الخبز.. وأطعمة يحبذها أصدقاؤه؟! وهو أبداً لا ينسى أنهم حضروا ميلاده.. ومنحوه عضوية الصبر الطويل؟! وبرغم انه سوف يبتعد ولو يوماً عن حبيبه الطيني؟ ذاك الجدار الذي طالما سكب عليه الماء.. مستنشقاً روائح الذكرى.. في أصيلٍ عبقٍ معه بالحكايات والأشعار؟ رغم كل ما سوف يفقده ويفتقده؟ ذهب قاصداً تلك المدينة.. كان يحسب انه سيظل بها بضعة أيام.. لكن القدر أمكثه فيها من الشهور ثلاثة؟ احترق فيها قلبه غربة ثانية؟ وثالثة.. ورابعة.. حتى طفق يهذي.. ينادي على صاحبته؟ وأصدقائه؟! عبثاً ينادي.. ولم يجد ورقته؟ لم يلق حريته؟ وجد أغناماً ترعى؟ لقي قروداً مسجونة؟! ذهب هماً.. ذهب نحراً.. ذهب صبراً.. إلى المدينة الملعونة؟!! عاد بكاءً.. عاد لهفةً.. عاد جنوناً.. إلى نخلته ونمله وجداره.. يعايدهم؟ يهاديهم؟ ينشدون سوياً.. أنشودة: السير على جمرات الصبر؟؟!
المجمعة |