أهل السنة اعتدلوا مع أهل البدع كلهم، فلا ينسبون لمبتدع قولا لم يقله، أو لم يتفوه به، أهل السنة معتدلون مع أصحاب الذنوب والكبائر، من ارتكب معصية وفعل كبيرة هم معتدلون معه بين الفرقتين: بين الخوارج والمرجئة، فالخوارج مذهبهم تكفير أصحاب الكبائر، من زنى أو سرق فهو كافر عند الخوارج وعند المعتزلة، وعلى النقيض منهم المرجئة، هذه النبتة الخبيثة المنتنة الذين هونوا من شأن الكبائر واقترافها وفعلها، والمرجئة ظهرت كردة فعل للخوارج. أهل السنة أخذوا هذا الاعتدال في مرتكب الكبيرة من هدي النبي صلى الله عليه وسلم فهم يستمدون أقوالهم من هدي النبي صلى الله عليه وسلم فإنهم تأملوا قصة ماعز والغامدية وشارب الخمر فوجد أهل السنة أن إمامهم صلى الله عليه وسلم ترحم على من فعل تلك المعاصي ودعا له بالمغفرة، فاستمدوا هذا الاعتدال من هدي إمام المعتدلين - عليه الصلاة والسلام - فمرتكب الكبيرة عندهم فاسق بكبيرته مؤمن بايمانه تحت المشيئة، ويحبون من جانب المنكرات وتركها ويفضلونه على من تلبس بها ولكنهم لا يخرجونه عن مسمى الاسلام. أهل السنة اعتدلوا مع الأمراء والعلماء، لأنهم يجمعون بين النصوص فهم مع ولاة أمرهم معتدلون، يقرؤون:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} (59)سورة النساء ولكنهم لا يغفلون عن قوله صلى الله عليه وسلم:(لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) فهم يجمعون بين النصوص، اتسعت صدورهم للآية والحديث، وضاقت قلوب المنحرفين عن الجمع بين الآية والحديث. اعتدلوا مع العلماء، فهم يرون لهم مكانتهم ولكنهم لا يدعون عصمتهم بل هم دائما ما يرددون: كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الهدى صلى الله عليه وسلم مع احترامهم لعلمائهم فإنهم لا يدعون عصمتهم أو أنهم لا يخطئون. معتدلون مع الفرق الاسلامية المعاصرة، فهم يتبرؤون من كل بدعة ومن كل زلة ولكنهم لا ينسبون لأهل البدع ما لم يتلبسوا به، لأنهم يقرؤون دائما: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} ( 8)سورة المائدة، فيرون خطأ من أخطأ من الفرق الإسلامية ولكنهم لا يظلمونهم في نسبة ما لا يقولونه إليهم. أهل السنة والجماعة معتدلون مع الأعداء، مع عدوهم، وأن الأعداء عند أهل السنة متفاوتون، فاليهود ليسوا كالنصارى، والمحارب ليس كالمسالم، ويتعاملون معهم على ما كان عليه النبي - عليه الصلاة والسلام - فلا يوالونهم ولا يتولونهم ولكنهم يفرقون بينهم في عداواتهم ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعامل الأعداء معاملة واحدة، فكان اليهود جيرانه في المدينة وكانوا على أخس دين وأخبث طوية، وكذا كفار قريش كان عندهم من العداء للإسلام ما ليس عند غيرهم، مع ذلك فإن عداوته للكفار لا تقتضي ظلمهم والاعتداء عليهم في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وهم متفاوتون في عداوته ومناصبته العداء، فها هو مثلا لما أسر من أسر في بدر قال:(لو كان المطعم بن عدي حياً في هؤلاء النتنى لتركتهم له) رواه البخاري، اعترافاً بمعروفه لأن المطعم كان له معروف قد أسداه للنبي صلى الله عليه وسلم أن يرد له معروفه وهو قد اشترك مع المشركين في العقيدة والفكر. من هذا نأخذ أن المسلم لا يتعامل مع العدو على درجة واحدة، ولذا قال ربنا تعالى:{غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ} سورة الروم، علماً أن اليهود أو فارس أو النصارى كلهم على غير هدى وعلى غير دين صحيح. فإلى حياة الاعتدال، حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم، والحمد لله أولاً وآخراً.
(*) المجمعة |