Friday 4th March,200511845العددالجمعة 23 ,محرم 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "تحقيقات"

في لقاء علمي حول الأسس التربوية للقضاء على الإرهابفي لقاء علمي حول الأسس التربوية للقضاء على الإرهاب
التوازن في التربية يقتضي الحب والحزم مع الأطفال وصداقة المراهقين

* عنيزة - فوزية ناصر النعيم:
برعاية صاحبة السمو الأميرة نورة بنت محمد بن سعود (حرم أمير منطقة القصيم) وبحضور عدد من الأكاديميات والمسؤولات، أقام مركز الأميرة نورة بنت عبد الرحمن الفيصل الاجتماعي بعنيزة لقاءً علمياً . . حول الأسس التربوية للقضاء على الإرهاب للدكتورة ليلى أحمد الأحدب المستشارة الاجتماعية في موقع إسلام أون لاين نت والكاتبة المعروفة وذلك في قاعة الشيخ عبد الله العلي النعيم بعنيزة. بدأ اللقاء بتلاوة عطرة من كتاب الله الكريم ثم ألقت مديرة مركز الأميرة نورة كلمة رحبت فيها بمقدم سموها وشكرت لها رعايتها ودعمها المتواصل، ثم ألقت الدكتورة بدرية السعيد قصيدة وطنية نالت إعجاب الجميع. ثم بدأت الدكتورة ليلى الأحدب بمقدمة عن الإرهاب ..قائلة:
الأسس التربوية للوقاية من الإرهاب
الإرهابيون خوارج العصر.. هكذا بدأت المحاضرة معرفة الإرهاب، وقالت انه استخدام العنف أو التهديد به في اشكال مختلفة بغية تحقيق أهداف معينة، والإرهاب نبتة شيطانية لها جذور وتربة، فالجذور التاريخية تعود إلى فكر الخوارج. أما التربة المناسبة لنمو الإرهاب فهي تتعلق بالغلو في المشاعر (الكره والبغض للآخر المختلف) وبالتطرف في التفكير (التشدد والتكفير) وبالعنف في السلوك (تغيير المنكر باليد وقتل المخالف حتى لو كان مسالما أو مستأمنا). وأشارت إلى دور المؤسسات التربوية في الوقاية من الإرهاب، وبينت أنها أسس تربوية عامة يمكن إجمالها بالتالي:
- مهمة التربية إعلاء الفطرة الخيرة وإلغاء الفطرة الشريرة.
- التوازن في التربية (الحب المترافق بالحزم مع الطفل، الصداقة مع المراهق).
- التربية بالقدوة وعدم اختلاف الأسلوب التربوي بين الوالدين.
- إعلاء ثقافة الحوار وتقبل الرأي الآخر.
- ثقافة المناعة لا المنع، والطاعة المبصرة لا العمياء.
- ربط الناشئ بالأسرة والقرابة (العائلة الكبيرة أو القبيلة) والمجتمع والوطن.
ثم تحدثت عن محاور مهمة في مجالات وأسس التربية بدأتها من الأسرة كمحور أول:
أولاً: التربية المتوازنة في الأسرة
أساس الوقاية من الانحراف
في علم النفس والتربية والاجتماع لا يوجد 1 + 1 = 2 لذلك من المهم مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال، ووجوب انتباه الأهل لردود أفعالهم وليس أفعالهم فقط، فاستبداد الأب وعنفه تجاه الأطفال قد يؤدي بطفل ما أن يتقمص شخصيته ويسقط عنفه على أي أحد مستقبلاً، بينما قد يسبب لدى طفل آخر التقوقع والانسحاب والرهاب الاجتماعي (مثالين من عيادتي للاستشارات). وقد خلصت دراسة أمريكية إلى أن دوافع الإرهابيين معقدة، وأن نظريات علم النفس الغربية عاجزة عن تفسير بعض تلك الدوافع. مشيرة إلى أن التكوين الفكري والاجتماعي والاقتصادي لشخص ما لا يفسر ميوله للعنف؛ وعلى كل حال فإن التربية المتوازنة تشكل أساس الوقاية من أي انحراف قد يتعرض له الناشئ سواء كان إفراطاً أو تفريطاً.
دور الأم والأخت في الحد من اتجاه الناشئ للعنف والإرهاب:
من أهم أسباب العنف في النفس والمجتمع هو غياب الأنثى من حياة الذكر، حيث تؤكد الدراسات العلمية الصبغية والهرمونية على فطرة الاختلاف بين الذكر والأنثى، فبينما يكون الرجل أميل للعنف والسادية، بينما تميل المرأة إلى اللطف والحساسية، وهذه قاعدة لا يمنع من تأكيد أحقيتها وجود بعض الاستثناءات في الإناث بحكم التأثر بالأب أو أي رجل كبير في العائلة بسبب الخلقة والوراثة أو بسبب البيئة والتربية، ولكن الاستثناء شذوذ والشذوذ لا يقاس عليه، فقد تتشدد المرأة فتفوق الرجل في التشدد بحكم غلبة العاطفة عليها أساساً. تجدر الإشارة إلى استغلال الإرهابيين لعاطفة المرأة وتجييرها لصالحهم حيث يروون أحاديث كثيرة عن نقصان عقل المرأة وأنها أكثر أهل النار، لذلك خضعت بعض النساء لأفكارهم وانضمت إليهم، ومن هنا فإن التشدد في قضايا المرأة كثيرا ما يكون سبباً للغلو والتطرف بقصد أو دون قصد.
دور الأم
يمكننا أن نقارن بين صورة الطفل الذي ينعم بحنان الأم ويرفل في ظلها ويسعد بقربها وبين صورة الطفل المحروم من حنان الأم وحبها، فسنجد صورتين متباينتين تماماً. فبينما يكون الطفل الذي تشرّب محبة أمه وحنانها أقدر على محبة الناس وأعمق في إرادة الخير لهم، نرى الطفل الذي حرم من الأم عاجزاً عن تقديم الحب للآخرين، ففاقد الشيء لا يعطيه. وقد لا يكون أثر فقد الأم واضحاً في الطفولة لكن ما ان يدخل المحروم من الوالدة في سن المراهقة حتى تظهر عليه آثار عدم التوازن النفسي وملامح الاضطراب الانفعالي وتحديداً الشخصية العدوانية أو الشخصية الانسحابية. وهذا ما يقرره علم النفس حيث يبين أريك أريكسون أن الطفل الذي حُرم من حنان واهتمام الأم في طفولته يفتقد الثقة بالآخرين بعد ذلك. ومن المعلوم أن الثقة بالناس هي أساس التعامل الصادق والمنتج بينهم. لذلك فإن الحرمان من الأم يهز الشخصية في الصميم إن لم يمكن تداركه منذ البداية بتعويض الطفل عن هذا الفقد بامرأة أخرى تقوم مقام الأم. ومن المنطقي أن هذه الدعوة لزيادة جرعات القرب والمحبة بين الطفل وأمه لا تعني تدليله بشكل زائد، فالتربية السليمة هي وسط بين الحب والحزم. ومن الملاحظ أن كثيرا من الذين تورطوا في عمليات إرهابية لم تكن علاقتهم بوالدتهم سوية أو أن أمهاتهم لم يكن لهن كبير أثر في حياتهم وتنشئتهم. والسبب الأهم من ذلك كله هو انعدام المحبة وغياب التفاهم بين الوالدين وخاصة حين تكون علاقة الوالدين محكومة باستبداد الأب بالأسرة ومعاملته السيئة للأم أمام أطفالها، مما ينعكس على حياة الطفل بعدم الشعور بالأمان وانعدام الثقة بالنفس، فيعاني من ضعف بالشخصية، وهو الأمر الذي يجعله قابلاً للإيحاء والخضوع لشخصية أقوى فيخضع لها ويعمل بأسلوبها المضاد للمجتمع.
دور الأخت
الأخت لها دورها أيضاً في خلق تنويعات الحياة الضرورية لنمو سليم، فقرب الفتاة من أخيها سيجعلها ذات تأثير في طريقة تفكيره وسلوكه إن كان اصغر منها، وفي حالة كونه أكبر منها سناً فإن ترسخ الحاسة السادسة - ومن ضمنها الإحساس باقتراب الخطر- في الأنثى أكثر من الذكر يجعلها تشعر بأي تغيرات تطرأ على شخصية أخيها، على سبيل المثال ملازمته لأصدقاء السوء فتحاول أن تكون مستودع أسراره، وإذا أخفقت في ذلك وكانت تتحلى بالوعي فإنها تنقل انطباعها الجديد عن أخيها إلى شخص ناضج في العائلة فيتم إصلاح الخلل منذ البداية.
دور العلاقات العائلية الحوار العائلي
إن المكان الأساسي لتشكل شخصية الفرد هو حضن الأسرة، وعلاقة الأبوين تنعكس على نفسية الطفل إيجاباً وسلباً. فالمحبة والتفاهم قابلين للانتشار والتشرب، كما أن البغض والخصام عرضة للعدوى والتسرب. ومن علاقات الزوجين المتوازنة عقلاً وعاطفة تنشأ الأسرة المستقرة التي هي نواة المجتمع الأولى، وأهم مؤشر على هذا التوازن هو الحوار والتفاهم بين الوالدين، والطفل يتعلم بالقدوة والتقليد والمحاكاة، وكثيراً ما نرى أن الطفل العنيف صورة مصغرة عن أبيه أو أمه اللذين قد يستطيعان تقمص شخصية مختلفة أمام الآخرين، أما الطفل فليس لديه هذه الاستطاعة، لذا كثيرا ما تكشف تصرفات الأولاد شخصيات الآباء بشكل أو بآخر، حيث يلجأ الطفل إلى ما يسمى بالعنف المزاح أو المستبدل، فإذا وقع عليه عقاب في البيت يعاقب أخاه أو ابن الجيران.
علاقة الأبوين بالأطفال
يجب إشعار الطفل بالتقبل والمحبة له وتشجيعه والتلطف به والصبر عليه، واحترامه، (قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والولد العاق)، وإلا فإن القصور في النمو العاطفي يتبدى بمظاهر كثيرة منها: صعوبة تناول الطعام، والانطواء الشديد على النفس، وكثرة البكاء وسرعة الغضب ولأبسط الأسباب، وكثرة المشاجرات مع الآخرين وخاصة خارج نطاق الأسرة، واضطرابات النوم وكثرة الأحلام المزعجة، وضعف التحصيل المدراسي رغم وجود الذكاء الجيد. الولد الصحيح العاطفة أنه تغلب عليه السعادة والبهجة والمتعة بالحياة مع بعض المظاهر التالية: يتوق للتعلم والرغبة في معرفة كل ما هو جديد، راغب بالنمو ليصل إلى مرحلة يعامل فيها ككبير، يرتاح لصداقاته وعلاقاته مع الآخرين، منتظم النمو ونشيط في الصباح، جيد الشهية للطعام، اجتماعي محب للقاء الناس، مسالم يعرف كيف (يأخذ ويعطي) مع الآخرين، سليم الصحة الجسدية، متفوق في تحصيله المدرسي.
التعاطف العائلي
يجب إشراك الناشئ في مشكلات الأسرة حسب وعيه وعمره دون أن يحمَّل فوق طاقته الاستيعابية، وكذلك إشراكه في تجارب الوالدين الخاصة، وتوزيع الأهل اهتمامهم بالتساوي على كل الأطفال، إضافة إلى القيام بمشاريع مشتركة مع العائلة والاشتراك بإبداء الرأي وحتى التنظيم أيضاً: رحلات، زيارات عائلية، أعمال خيرية. ومن المهم أيضاً أن يكون الجو العام للأسرة مشجعا للأولاد على التعاون والعمل المشترك، بدل أن يدعوهم دوماً للتنافس والعمل الفردي. إن روح عمل الفريق لتتكون في السنوات الأولى من حياة الإنسان وفق ما يتلقاه في أسرته وفي مدرسته.
كيف نساعد الأطفال على بناء الثقة بالنفس والتقييم الإيجابي للذات
والشعور بالمسؤولية؟
- أربعة أمور تخلق في نفس الناشئ تقييما إيجابياً لنفسه، وهي المساعدة والإبداع والكفاءة في حل المشكلة والمنافسة.
1 - كي ننمي احترام الذات في الطفل يجب أن نشجعه أن يساعد في المنزل أو أن ينضم إلى جماعة في نادٍ أو مسجد، وهذا له دور أساسي في تكوين شخصية متزنة لن تقع في مطبات عاطفية كبيرة يتعرض لها كثيرا من فقد الاحترام لنفسه والأمن في أسرته فيبحث عنه في خارج منزله مما يزيد الهوة بين الوالدين والناشئ خاصة حال دخوله سن المراهقة.
2 - مما يذكي احترام الناشئ لذاته الاهتمام بتفوقه وتشجيعه على الإبداع وكي يشجع الوالدان الإبداع في طفلهم يمكن أن يحفزوا خياله بالألعاب التي تعتمد على المخيلة أو بقراءة القصص، كما يمكن أن يستجيبوا له بطرق فعالة عندما يحب أن يكرر أمامهم ما فعله، أو أن يعلوا من شأن إبداعه بعرضه أمام الآخرين من الأصدقاء والأقرباء.
3 - يحتاج الوالدان أن يشجعا الطفل ليعامل أي مشكلة كأحد الفرص الإضافية فقط للتعلم في الحياة، فهدف الوالدين ليس تربية الطفل الذي لم يقترف الخطأ أبداً، ولا يجب عليهما التدخل الدائم دائماً لحل مشاكله بل إن هدفهما هو تربية طفل كفء يكون راغباً وقادراً على تقرير ما يفعله عندما تحدث المشكلة، ونادراً ما يتمكن الطفل من حل المشكلة بدون تعلم شيء ما لا يعرفه أو لا يستطيع فعله من قبل. إن كل مشكلة هي أستاذ متنكر، والشيء العظيم بخصوص حل المشكلة أن العملية تأتي مع مكافأتها الخاصة، وهي إما: الإحساس بالإنجاز والفخر بالنجاح أو بتعلم تكرار المحاولة في حال الفشل، أي تكوين طفل متفائل واثق بنفسه متقبل لأخطاء الآخرين.
4 - أما المنافسة فرغم ما تحمله من مخاطر كتعريض الإنجاز الشخصي للمقارنة مع الآخرين تحت التدقيق العام وكخطر الخسارة والألم الناجم عنها، لكنها تتطلب قدرا من احترام الذات، ومع ذلك فإن الوالدين نفسيهما يمكن أن يكونا لاعبين خطرين عندما يصبحان مصدراً يقلل من احترام الطفل لنفسه، وبذلك يحولان التجربة الإيجابية للطفل إلى تجربة سيئة. ويمكن أن يتم إيقاف هذا السلوك عندما يتأنى الوالدان ويتذكرا أن من يرونه يتنافس وينجز، ليس امتداداً ما من نفسيهما، ولكنه طفلهما، الذي ليس مجبراً أن ينجز جيداً ليؤثر جيداً فيهما.
إذاً للآباء دور كبير في تكوين الانطباع الإيجابي للطفل عن نفسه فإن لهم كذلك دوراً مماثلاً في تكوين الانطباع السلبي.
تعزيز الانتماء لدى الناشئ؟
1 - الإنسان بطبيعته يحب الانتماء لجماعة، والتربية ما هي إلا السير على خطين متوازيين: خط الكائن الحر المتفرد وخط الكائن غير المنفرد أو المنخرط بالمجتمع.
2 - الاقتداء بالوالدين لترسيخ مفاهيم صلة الرحم، والارتباط بالأرض، والانسجام مع المجتمع على ما تعارف من تقاليد راسخة مستمدة من أحكام الدين الحنيف.
3 - بناء الوازع الديني والضمير الخلقي حماية من كل أشكال التطرف.
4 - غرس محبة الإخوة لبعضهم بعضاً منذ الصغر وتعويدهم على احترام الكبير ورحمة الصغير.
5 - الإسلام هو الدين السابغ للفطرة الإنسانية، وكثير من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة تحض على صلة الرحم، وتؤيد الانتماء، إضافة إلى سيرة الرسول عليه الصلاة والسلام ومحبته لمكة (لولا أن قومك أخرجوني منك لما خرجت).
ثانياً: التربية السليمة في المدرسة
أشير إلى أسلوبين خاطئين في التربية أكثر حدوثاً في المدرسة منه في الأسرة، يؤدي كل منهما إلى نفسية غير متوازنة وبالتالي هي مهيأة للإفراط أو التفريط، وهما جوابان على سؤالين:
الأول: كيف نساعد الناشئ على فهم الدين وربطه بالدنيا بطريقة سوية دون استبداد ترهيبي؟
الاستبداد الترهيبي يكون بتخويف الطفل من العفريت والغول والطبيب والأب والذئب فينشأ الولد رعديداً جباناً لا يخاف من الظلام والوحدة فحسب بل يخاف من خياله، والمشكلة أن البيت قد ينتبه لهذه الأمور فيحارب نشوءها في نفس الطفل، فيأتي معلِّمُ جاهلٌ في المدرسة يحكي للأطفال قصص الجن والعفاريت وما إلى ذلك من الخرافات والأساطير الشعبية المتداولة، وهذا الكلام لا يحمل أي معنى لعدم الإيمان بعالم الغيب، لكن ما الفائدة أن نكلّم طفلاً بعمر ست سنوات عن الجن وطعامهم و أوصافهم ؟ تقص على إحدى الأمهات كيف كان ابنها يعاني من أحلام مزعجة وكوابيس نتيجةً لما تعرضه المدرسة على التلاميذ من أفلام عن الأصنام وأشكالها المخيفة. وتحكي لي إحدى الموجهات التربويات قصة حضورها درس تعليم الصلاة للصف الأول الابتدائي، فبدلاً أن تشرح المعلمة للطفلات الصغيرات -واللواتي لم تفرض عليهن الصلاة بعدُ- كيفية الصلاة، بدأت بعذاب القبر لتارك الصلاة والشجاع الأقرع والدود الذي يأكل عيون العاصي بعد الموت، مع أن الرسول عليه الصلاة والسلام أرشدنا إلى طريقة التبشير لا التنفير وقال: (أحبوا الله لما يغذوكم به). فإذا كان الترغيب وسيلة مفضّلة لإقناع كثير من الناضجين فكيف بالطفل وهو المخلوق الحساس اللطيف؟ هذا أسلوب استبدادي تخويفي لأنه ينبع من سلطة الكبير -المعلم أو الأهل- على الصغير.
الثاني: كيف نساعد الناشئين على تقبل الأوامر والسماح بمناقشتهم لنا دون استبداد عنفي؟
الاستبداد الواضح في المدارس يتمثل بعدم قدرة الطلاب والطالبات على مراجعة المعلمين والمعلمات في آرائهم، وعلى العكس من ذلك فإن مما ينمي احترام الذات لدى الناشئ هو معاملته كناضج عندما توجه له الأوامر بشرح نتائج تطبيقها وتحبيبها له لتكون نابعة من نفسه فتتشكل لديه قناعات بها يستطيع عندما يكبر أن يدافع عنها.
من الخطأ عدم إشعار التلميذ بالمحبة وعدم احترام شخصيته وإهانته والسخرية من آرائه يجعله لا ينشأ على تقييم إيجابي للذات، وهذا أسلوب استبدادي عنفي فيها تهميش للطالب وإقصاؤه عن المشاركة، فالعنف الذي يقوم به الراشدون ضد الناشئين ليس إلا رغبة في ممارسة السلطة وإرضاء لنوازع النفوس المريضة. وللأسف فإن كثيرا من المعلمين يفتقدون أبسط أبجديات التربية؛ فالتعسف في تقييم الطالب أي منح العلامات بصورة غير عادلة ومقنعة، أو السخرية منه، وإشعاره بالمهانة أمام زملائه كل ذلك يجعله أكثر ميلا للعنف.
دور المدرسة في الحد من
العنف لدى الطلاب
- ضرورة حث الناشئ على المشاركة وإشعاره بالمسؤولية عن المدرسة ونظافتها.
- اشتراكه بالرحلات المدرسية والمجلات الثقافية.
- تشجيعه على النقد الذاتي والنقد البناء.
- حب المدرسة ينشأ من شعور الطالب بجدوى ما يتعلم من خلال ربطه بحياته اليومية عبر الأنشطة اللاصفية والاتصال بالمدارس القريبة والمسابقات.
- اشتراك أولياء الأمور مع المدرسة في سياسة واحدة تجاه من يقوم بالعنف لوضع قواعد يتفق عليها الجميع، ويتم تنبيه الطلاب لها في المدرسة والبيت، ومن الأفضل اعتبارهم شركاء فعالين في العملية التعليمية والتربوية بوضع دستور أخلاقي يتضمن القيم المطلوب اتباعها والمحظورات الواجب تجنبها والعقوبات اللازم إيقاعها في حالة خرق هذا الدستور.
دور المدرسة في التوجيه ضد الإرهاب
- تخصيص خمس دقائق كل يوم صباحاً لتحية العلم والنشيد الوطني.
- الاستفادة من أوقات الفراغ في المدرسة لزيادة جرعة الوعي بقيمة الأمن وأهمية الوطن وتفنيد أفكار الإرهابيين من قبل المختصين.
- استغلال حصص التربية الفنية واللغة العربية لمكافحة الإرهاب.
- اللقاء مع بعض رجال الأمن الذين شاركوا في الحملة ضد الإرهابيين.
- زيارة بعض الأماكن المتضررة من الأعمال الإرهابية أو عرض صور التخريب: مدارس، مساجد، مبانٍ.
- زيارة ضحايا الإرهاب: رجال أمن أو عائلات أو أفراد.
- عرض صور الإرهابيين القتلة والاستفادة من الإرهابيين التائبين.
ثالثاً: تكامل دور المؤسسات التربوية
-متابعة الأهل لما يلقيه خطيب الجمعة مثلاً أو أستاذ الفصل عبر سؤال الناشئ ومحاورته لإزالة سوء الفهم الذي قد ينشأ عن صغر السن ونقص الوعي.
- إعلاء الملكات النقدية لديه بالنسبة لما يراه أو يسمعه في الإعلام.
- الحرص على غرس قيم المحبة للوطن عبر جميع المؤسسات التربوية.
- نقد الفكر المتشدد والمتطرف من خلال الحوار المؤثر والناجح يزيل الغموض واللبس، ويجعل الشباب المتحمس سباقين إلى مناقشة هذا الفكر وتحدياته. ويجب ان يتعاضد الدعاة على المنابر -ودورهم أهم في مجتمع مسلم لتأثيرهم الكبير على شرائح المجتمع المختلفة- والمثقفين في وسائل الإعلام المختلفة على نقد الأيديولوجيات المؤدية إلى تبني العنف والتطرف والإرهاب:
أولاً: نقد أفكار الخوارج
كاستحلال دماء المسلمين أو أعراضهم أو أموالهم بالمعصية، وخروج على جماعتهم بالسيف، وقولهم بوجوب قتال الإمام العام إذا رأوا منه ما يخالف رأيهم، وهؤلاء -كما يقول أحد علماء الدين المعتدلين- لا يفقهون حكمة ولا دعوة ويقرؤون القرآن دون فهم وتدبر، فهم يميلون إلى الشدة في كل شيء، فالمستحب عندهم واجبٌ وفرضٌ، والمباح عندهم إثمٌ ومعصية، والرخصة جريمة وتهاونٌ، واللين مداهنة، والسكوت عن بعض الحق اتقاء الفتنة عندهم نفاق. وهكذا جعلوا دين الله بلاءً على الناس بحيث لا يصلح إلا لمن ترك الحياة كلها وخرج إلى البراري والقفار، إضافة إلى تكفير من يعمل في الحكومة وتفسيق من يرسل أولاده إلى المدارس إلى غير ذلك من أيديولوجيات بغيضة وأفكار مريضة تتوالد وتتضخم وتتحول إلى مارد يحطّم القمقم ويسعى بعد ذلك إلى إرهاب العباد وقتل كل مخالف أو مختلف.
ثانياً: الخلط بين البراء من الكافر
المحارب والكافر المسالم
نتيجة الفهم الخاطئ للآية الكريمة: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، فمن الواضح أن أساس التعامل مع الكفار الموادعين المسالمين هي البر والقسط، والبر أي الإحسان هو عمل القلب، والقسط أي العدل هو عمل العقل، إذ نستطيع أن نعدل مع من نحب ونكره، أما الإحسان فلا يمكن أن يصدر إلا من قلب محب لبني الإنسان المسالمين، وما نبرأ منه هو الكفر والشرك والمعصية وليس علينا كره الكافر أو المشرك أو العاصي، لأنه لا تبني المجتمعات المتماسكة على التباغض والتباعد بل على المحبة والتعارف، ولأنه خلاف عمل رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ وفهم حديث إخراج المشركين من جزيرة العرب بأنه يشمل النصارى واليهود هو فهم خاطئ، فالرسول عليه الصلاة والسلام استقبل وفد نصارى نجران وفرش رداءه لكبيرهم وسمح لهم بالصلاة في مسجده، وقد توفي عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهونة عند يهودي. فلا يعقل أن يستدين الرسول الكريم من يهودي ثم يأمر بإخراجه، لذا فإن اليهود والنصارى رغم كفرهم لا يعتبرون مشركين، والدليل الذي يؤكد صحة هذا الرأي هو قول الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: {وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} وقوله في سورة المائدة: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ}، فهذا يعني أن المسلم يمكنه الزواج من كتابية بعكس المشركة التي لا تحل له. وأما حديث (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب)، فيُفهم منه أن تكون الغلبة والسيادة للإسلام، بحيث لا يمنع الكتابي من ممارسة شعائر دينه في بيته لكن دون بناء بيوت عبادة، وقرار دخولهم أو إخراجهم من البلاد يعود لولي الأمر وأهل الحل والعقد.
رابعاً: أسباب العنف والتطرف
من الطفولة حتى الشباب
في دراسة عربية تبين أن غياب ثقافة الحوار في مجتمعاتنا العربية هو الذي يؤدي بشكل غير مباشر إلى ترسيخ ثقافة العنف وعشوائية الاتجاهات في شخصية الفرد، وذلك لغياب المنهج السليم في التثقيف العلمي للطالب منذ الدراسة الابتدائية ومحاولة الإبقاء على حجب العقل التي يمارسها الآباء أو المعلمون أو غيرهم. كذلك فإن أزمة الهوية لدى الشباب في عالمنا العربي جنبا إلى جنب مع اهتزاز المعايير والقيم وتزايد الإحساس بالفراغ الفكري والثقافي يمثل القوة الدافعة وراء هروب هؤلاء الشباب إلى مجتمع الرفض والتمرد والعنف بأشكاله المختلفة. ومن أهم أسباب العنف تضييق قنوات الحوار وتكميمها وجعلها في أضيق الحدود بما يكرس العنف والتزمت والدكتاتورية أحياناً، وحتى إن وجدت بعض القنوات الحوارية فهي لا تتعدى الجانب الظاهري دون الإيمان بفلسفة الحوار طريقاً للخلاص من ظاهرة العنف والتطرف.
في دراسات غربية وجدوا أن ضغوط الحياة المعاصرة، وانشغال الوالدين بالعمل لأقصى درجة، وتراجع مكانة الدين، ومن ثم انهيار المعايير الأخلاقية، وهيمنة الميكنة والتصنيع، والروح الاقتصادية القائمة على مادية مفرطة، علاوة على برامج العنف في الكمبيوتر وأفلام العنف في التلفاز، والتي يفوز فيها من يتمكن من قتل أكبر عدد ممكن من الأشخاص، كل ذلك يجعل العنف نتيجة حتمية لهذا المجتمع اللا إنساني المفرغ من الأحاسيس والقيم.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved