Thursday 17th March,200511858العددالخميس 7 ,صفر 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

العمل الاجتماعي والمشاركة المجتمعيةالعمل الاجتماعي والمشاركة المجتمعية
د. فوزية عبدالله أبو خالد

وقفة مع الشؤون الاجتماعية:
وصلتني بعض الردود الأولية على مقالتي للأسبوعين الماضيين فيما يخص التعيينات الوزارية الأخيرة وأشواق المواطنين أو تطلعاتهم لما يتعلق بهذا التجديد. وقد كانت جل تلك الردود مفعمة بأمل تطوير الأنظمة والأداء في تلك الوزارات المعنية ووضع نظام للمراقبة والمحاسبة بما يُفعِّل عملها لتقديم خدمات تتميز بالجودة النوعية في تلبية حاجة المواطنين كما جاء في بعض تلك الردود حرفياً تطبيق سياسة الدولة في الحرص على ضخ دماء طازجة في عروق الجهاز الحكومي باتخاذ الأسباب للتطوير والتحسين ومنها عملية (التداول الوزاري) إن صح التعبير وهو تعبير مشتق على ما يبدو من التعبير الرائج (شفهياً) في عالمنا العربي في هذه الأيام القائل ب(تداول السلطة).
وخلافاً للتوقعات، توقعاتي على الأقل، وربما توقعات بعض القراء فإن حصة الأسد من الرسائل الإلكترونية - (الإيملات) التي وصلتني لم تكن موجهة لمواضيع تتعلق بوزارة الثقافة والإعلام أو وزارة التربية والتعليم كما خلت وكما قد تخالون، بل بوزارة الشؤون الاجتماعية على وجه الخصوص. ولا أخفي أنني تفاجأت بذلك. وربما يرجع مصدر تفاجئي إلى افتراضي غير الدقيق والمتسرع والمتحيز بحكم موقعي المهني وبالتالي علاقتي العقلية والعاطفية غير المحايدة بكل من الثقافة والتعليم التي جعلتني أظن أن قطاع الثقافة والإعلام وقطاع التربية والتعليم قد يكونا الأكثر شعبية بين المواطنين كما قد تكون متعلقات كل من القطاعين الأكثر جدلاً ومدعاةً للنقاش والتعليق والأخذ والرد من قبل المتابعين للموضوع من القراء. ولكن الردود خالفت التوقع.
وهذا مما يجعل ليس لي من بد أن أبدأ حديثي عن موضوع الشؤون الاجتماعية بأن أذكر وزير الشؤون الاجتماعية بما سبق وذكرتُ به وزير الثقافة والإعلام مع وجود أصوات القراء ممن كتبوا لي عن بعض أحزانهم وأشجانهم في الشؤون الاجتماعية كعامل معاضد ومرجح على صحة ذلك التذكير. وفي ذلك لابد أن نذكر الوزير بما لا أظنه يخفى على الأستاذ عبدالمحسن العكاس على الأقل بما يعرفه بعض زملاء الدراسة بالشمال الغربي الأمريكي عنه من فطنة الأسئلة وفضول المتابعة المعرفية، بأنه يأتي إلى وزارة الشؤون الاجتماعية في زمان لم يعد فيه العمل الاجتماعي حكراً على الحكومات كما أن صياغة تصوراته وحلوله والمشاركة في شؤونه وشجونه لم تعد شأناً حكومياً خالصاً. على أن العقدة ليست هنا فحسب بل إنها أيضاً في واقع أنه في نفس الوقت الذي ترتفع فيه أصوات المطالبة عالمياً بتوسيع قاعدة المشاركة الأهلية في العمل الاجتماعي فإنه ليس لأكثر الحكومات ديمقراطية كما أنه ليس لأشد الحكومات فقراً أو محدودية في دخلها القومي حتى تلك الغارقة في المديونيات العامة أو الخارجية أن تتخلى عن مسؤولياتها التمويلية لقطاعات عريضة من العمل الاجتماعي حتى في تلك الدول الغربية المانحة أو عن طريق بعض المنظمات الدولية التابعة للأمم المتحدة أو سواها من المنظمات العالمية التي تحظى بمشروعية عالمية.
وإذا كان من حسن الحظ والحمد لله وحده أن مجتمعنا يتمتع بوضع مالي لا يجعله بأي حال من الأحوال رهين الحاجة لطلب الدعم المالي لا على مستواه الرسمي ولا على مستواه الأهلي من أي جهة كانت فإن من حسن الحظ أيضاً أن هناك تجارب مجتمعية للعديد من المجتمعات المعاصرة يمكن الاستضاءة ببعض أدبياتها النظرية وتطبيقاتها العملية فيما يخص استخلاص الكيفيات الأنسب والخبرات الأقرب لمجتمعنا في التعامل مع مستجدات متطلبات العمل الاجتماعي.
وتعتبر الكتابات والتجارب في العمل الاجتماعي ومنها الشؤون الاجتماعية في علاقتها تحديداً بأطروحة المجتمع المدني، وبغض النظر عن تعدد الطروحات فيما يخص مفهوم المجتمع المدني وتباينها والجدل المثار حول تبييء المصطلح بربطه بالتاريخ الاجتماعي لتشكلات البنية الاجتماعية في المجتمع العربي والمجتمعات الإسلامية، أحد المداخل الرئيسية التي ليس من الممكن استبعاد توظيفها توظيفاً إيجابياً دون أن يخل ذلك بوظيفة العمل الاجتماعي في عالمنا المعاصر خاصة في الجهة التي يعنى عملها مباشرة بالشأن الاجتماعي وخاصة ما يتعلق منه بخدمة الفئات الاجتماعية التي تحتاج أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وربما الثقافية والصحية إلى إعادة تأهيل وربط بالسياق الاجتماعي العام فلا تعيش على هامش المجتمع أو تتعيش من خلال الاستعطاء لما هو حق لها في المال العام.
وإذا كان بعض ما تم التعارف عليه من تعريفات المجتمع المدني في علاقته بالعمل الاجتماعي قد ربطه بالمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والمهنية والثقافية التي تعمل في ميادينها المختلفة خارج المظلة الحكومية وليس طبعاً بالخروج عليها وإنما فقط كمؤسسات أهلية كالجمعيات المهنية فإن الإسهام في العمل الاجتماعي لتحقيق التنمية الاجتماعية بما فيها جمعيات النفع العام كالجمعيات الخيرية تعتبر من أساسيات تأسيس وتفعيل المجتمع الأهلي لتدريبه على المشاركة العامة في مواجهة وحل شؤونه الاجتماعية.
ولا شك أن على الوزير الجديد لوزارة الشؤون الاجتماعية خاصة وقد جاء إلى الوزارة بعد أن انتقل عنها عبء وزارة العمل إلى أكتاف أخرى وكذلك على طاقمه الوزاري والقوى الاجتماعية المساندة لعمله من داخل الدائرة الرسمية للعمل ومن المجتمع وكذلك القوى الاجتماعية المتفاعلة والمستهدفة من خدمات الشؤون الاجتماعية مسؤولية ليست سهلة. وأولها العمل على وضع خطة إستراتيجية شاملة تتم فيها مراجعة الأهداف والآليات والأنظمة التي يمكن بها المواجهة والتعامل مع هذا الوضع المركب الذي حاولنا التذكير به، الواقع بين مطلب المشاركة المجتمعية الأهلية في العمل الاجتماعي مع هامش لا يجب أن يجري التضييق بأي حال من الأحوال على حقه في الاستقلالية، وفي نفس الوقت بين مسؤولية الوزارة في الدعم المالي والنظامي والقانوني للكثير من أوجهه خاصة في الفترة الراهنة من هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها مسألة التمويل للعمل الاجتماعي عامة والعمل الأهلي خاصة بمحاسبة دقيقة إن لم تكن عسيرة بناء على الحسابات والتحسبات الدولية وليس المحلية وحسب.
ومن مطالب وأشواق المواطنين التي قد يعرفها الوزير أكثر منا ولكننا نضعها على طاولته من باب التذكير ليس إلا كتأدية لأمانة الكلمة عما وصلنا من مقترحات حول عمل وزارة الشؤون الاجتماعية النقاط التالية:
1- لابد من الشراكة في العمل الاجتماعي بين المؤسسة الرسمية وبين المجتمع بفتح الباب لتأسيس الجمعيات الاهلية التي تعنى بتقديم الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والحقوقية والمهنية لمختلف قطاعات المجتمع ولخدمة مختلف الفئات الاجتماعية.
2- يوجد فراغ في العمل الاجتماعي في مجال العمل الحقوقي والعمل النسوي ومجال الطفولة خاصة. مما يستدعي العمل الرسمي والأهلي لسد هذا الفراغ. وعلى سبيل المثال لا الحصر وكما فهمت من بعض رسائل القراء التي وصلتني على البريد الإلكتروني فإنه رغم الحاجة إلى تكوين جمعيات لحماية الأطفال من العنف أو لنشر ثقافة التسامح الاجتماعي في المجتمع فإن مثل هذه الحاجة تظل في حكم أحلام الصحو ما لم يكن في سياسة الوزارة وأنظمتها ما ينص على إعطاء تصريح بتشكيلها ولو بإشراف منها.
3- لابد من إعادة النظر في نوع وكم المعونات الاجتماعية التي يسميها البعض بسخرية مريرة لشحها ومذلة استعطائها ب(الإهانات الاجتماعية) مما يقدم للمسنين، للمعاقين ولمن يعيشون تحت خط الفقر في بيوت آيلة للسقوط أو تحت الكباري وعلى الأرصفة بما يتناسب مع الارتفاع المطرد في تكاليف المعيشة، وحسب حجم الأسرة المحتاجة. ولا تكون الإعانات إعانات سنوية كفافية مقطوعة بل إعانات شهرية جارية وكافية وميسرة تصل إلى أصحابها في حوالات بنكية، مثلاً، فلا تتبدد قيمتها القليلة على أية حال في رحلات التردد على مقر الوزارة بالعاصمة بسيارات (اللوموزين) الباهظة على أحوال مستحقيها الرقيقة. ومع أن هناك من يقول مثلاً، وهذه حالة تفصيلية واحدة أتوقف عندها من عدد كبير آخر من الحالات التي لا مجال لتفصيلها هنا، بأن الوزارة يجب ألا تتكفل بالأم أو الأب ممن هم في (حاجة) في حالة أن لدى أي منهم أبناء يعملون، فإن حل مثل هذه الحالة لا يكون بحرمانهم من المال العام الذي لهم حق فيه ولكن وإن كان ولابد فلابد من اتخاذ إجراء قضائي وتنفيذي يضمن أن يصلهم ما يكفيهم بصورة منتظمة من مال الأبناء. ومثل هذا ينطبق على الأمهات المطلقات ذات الأطفال الذين يتخلى الآباء عن مسؤولية الإنفاق عليهم دون محاسبة. فالوزارة يمكن أن تعيد توزيع مسؤولياتها المالية في مثل بعض هذه الحالات ببعض الإجراءات الحقوقية الملزمة. وبإشاعة وعي اجتماعي حقوقي يضيق رقعة (العالة) عليها.
4- لابد من إعادة نظر في الحال الاقتصادية للعاطلين عن العمل وتوفير راتب معاشي بديل لريثما تجد لهم وزارة العمل عملاً.
5- لابد من مراجعة تعمل على نشر الوعي وبالتالي العمل التطوعي بين الشباب بما يشكل عملاً مؤازراً لنشاطات الوزارة في خدمة الشؤون الاجتماعية.
6- لابد للوزير ولطاقمه العامل خصوصاً من بيدهم القرارات الوزارية المتعلقة بحياة الناس الاطلاع على ما يجري على أرض الواقع ولن يتسنى لهم ذلك إلا بالخروج من تكييف مكاتبهم بالعاصمة إلى حرور أو برودة الحياة اليومية في العبيلة وشرورة وجيزان وصبيا والهفوف والقطيف والمبرز وملهم والقصب والبرود والزلفي وسكاكا وعرعر وتهامة وسواها الكثير من مواقع القلب على امتداد تراب الوطن الغالي بصحرائه وسواحله وسهله وجباله وأوديته.
هذا بطبيعة الحال غيض من فيض المطالب والتمنيات ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved