بدلا من أن نوظف ما تقدمه الحضارة الغربية من تقنيات جديدة لتطوير أساليب حياتنا، وتوفير أوقاتنا للإنتاج والجودة ومزيد من العمل، فإننا نسيء استخدام كل تقنية حديثة تصل إلينا من الغرب إلى ما فيه خرابنا وتخلفنا. والحضارة في حقيقتها ليست صناعة وتقديم تقنيات جديدة فحسب بل هي أيضا طريقة استخدام هذه التقنيات وطريقة توظيفنا لها. ومنظرنا أمام الغرب يزري بنا عندما أصبحنا نسيء استخدام كل ما يقدمه لنا لننحط بأنفسنا أخلاقياً وسلوكياً وفكرياً. أسأنا استخدام الهاتف الجوال بالمكالمات الطويلة الفارغة والرسائل التافهة والصور المزرية فأصبح وبالاً دمر جيوباً كانت عامرة، واهتزت له ميزانيات كثير من الأسر، حيث أصبحت مستحقاته تطغى على مصروفات الأسرة كلها، وأصبح أداة تسلية ولهو وإفساد في أيدي أولادنا وبناتنا. ثم جاءت الطامة الكبرى، ودخل الإنترنت كل بيت تقريباً، وفعلنا معه الشيء نفسه، فبدلاً من أن نوظفه لإثراء ثقافتنا وتنمية وعينا وتوفير أموالنا عن شراء الكتب والمجلات، اتجهنا للاهتمام كلياً بوجهه اللاأخلاقي، وأغرم كثير من أولادنا وبناتنا بشاغل البحث عن المواقع الإباحية، وجاءت خدمة غرف المحادثة عبر الشبكة العنكبوتية فأصبح أولادنا وبناتنا يقعون في شباك هذه الشبكة فيمارسون الخطيئة ويرتكبون المحرمات على الشاشة في عقر ديارنا وعلى بعد خطوات منا، وعلى مسمع ومرأى منا. ما أكثر البيوت التي دمرت الحياة الزوجية فيها، وما أكثر البيوت التي أضاع فيها الشباب والشابات دينهم وعفتهم وحياءهم، وما أكثر الفتيات اللاتي فقدن شرفهن وهن داخل بيوتهن بسبب هذه الشبكة الشيطانية.. هذا يحدث أكثر ما يحدث للأبناء والبنات في غفلة من الآباء والأمهات الذين يعتقدون أنهم قد ربوا أولادهم وبناتهم على الدين والخلق القويم، وبالتالي فهم يثقون بهم ويعتقدون أنهم لن يتجاوزوا حدود الاستخدام المعرفي لهذا الجهاز!. لا أقول هذا ليشك الآباء والأمهات في أولادهم وبناتهم، ولكني أُذّكر بأن الشيطان يجري في الانسان مجرى الدم، وإن النفس لأمارة بالسوء، وأن داعي الفجور في النفس البشرية يتقدم على داعي التقوى وفق قوله تعالى:{وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَ * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}، وان الجنة كما قال نبينا -صلى الله عليه وسلم- قد حفت بالمكاره وحفت النار بالشهوات. والقصص التي نسمعها عن نتائج العلاقات التي تقوم بين الرجال والنساء أو الفتيات والفتيان كلها مأساوية ومؤلمة، وأن أكثر الضحايا هم بناتنا الغريرات اللاتي يتأثرن بما يسمعن من كلام معسول ظاهره المتعة الحلوة وباطنه المرارة والألم، ونهايته الضياع والندم. كم من امرأة أو فتاة من أسرة محافظة وذات دين وحياء دفعها الفضول للدخول إلى غرف المحادثة مقنعة نفسها أن هدفها فقط معرفة هذا العالم الذي يتحدث عنه الناس، ثم تطورت رغبة المعرفة إلى تسلية، فأقنعت نفسها بأنها تتسلى، ولا يمكن أن تقع فتحدثت مع (س) و(ص) و(م) و(غ) من الرجال والشبان، ثم وجدت نفسها - الأمارة بالسوء- تنجذب إلى واحد من هؤلاء فيمتعها صوته، ويقنعها كلامه، فتجد نفسها بعد فترة - دون أن تدري - خاصة إذا كانت فتاة مراهقة فتظن أنها تحبه لأنها تشتاق لسماع صوته، ثم تجد نفسها تصدق ما يقول بأنها الوحيدة التي دخلت قلبه، وبأسلوبه الناعم يستدرجها لتقول عن نفسها وأهلها كل شيء، ولكي يحصل على المزيد يعدها بالزواج فترسل له صورتها عبر الجهاز ثم تتحدث معه وربما تتحايل على أهلها فتفلت لتخرج معه مقنعة نفسها بأن هدفه شريف ما دام يرغب بالزواج، وقد تحب هذه الفتاة بصدق والأنثى إذا أحبت صدقت وأعطت بلا حدود، فيسلبها شرفها في لحظة ضعف، وتخسر أغلى ما تملك، ويضيع مستقبلها وتهون كرامة والديها على الناس وتكون وبالاً على إخوانها وأخواتها إذ لا يقبل أحد الانتساب بهم بعد المساس بأغلى ما يملكون وهو الشرف. وهكذا تلوث نقطة حبر بئراً نقية ويتسخ بسببها بحر بأكمله. والحقيقة أن أكثر من يقع في شباك هذه الشبكة الشيطانية هم بعض فتياتنا المراهقات، فالفتاة المراهقة القابعة في بيتها، قليلة الخبرة بالحياة، عديمة الخبرة بالرجال لا تعرف منهم إلا محارمها، فإذا سمعت كلمات الحب والغرام والعاطفة من الرجل الأجنبي عليها، صدَّقت ذلك، لأنها ظامئة إلى مثل هذه العاطفة، تحلم بفارس الحب الأول الذي يداعب خيالها، فتنجرف وراء كلامه المعسول، لا علم لها أن الرجل عندما يرغب في الزواج لا يمكن ان يفكر بالزواج من فتاة عرفها بطريق غير شرعي، وقد تكون الفتاة صادقة مخلصة، لكنه لا يمكن أن يصدق ذلك، ويظل مترسباً في ذهنه ان ما فعلته معه من الممكن ان تفعله مع غيره، وكما عرفته ستعرف غيره، لهذا فهو لن يثق بها، فكما خانت أمانة أهلها في نفسها من الممكن أن تخون أمانته بعد زواجه منها. لهذا فإن هذا النوع من الرجال يستغل عواطف هؤلاء الفتيات الساذجات، للتسلية والمتعة المحرمة التي تنتهي بالفتاة إلى نهاية مأساوية وفضيحة تلاحقها طول العمر. وحتى الذين تزوجوا من نساء أو فتيات عرفوهن بطرق غير شرعية عاشوا معهن في جحيم الشك، وعدم الشعور بالأمان، ولم يعطوهن الثقة أبداً وبالتالي تتحول الحياة معهم إلى مأساة تنتهي بالطلاق. وأكثر الفتيات وقوعاً في شرك الشبكة المحرمة هن أولئك الفتيات اللاتي يعشن في بيوتهن محرومات من حنان الأم وعطف الأب برغم وجودهن بينهم تحت سقف واحد. إن ابتعاد الأبوين عن بناتهم وعدم تفقدهم لأحوالهن، والنزول إلى مستوى تفكيرهن، ومعايشة مرحلة مراهقتهن يخلق نوعا من الجفاف العاطفي والظمأ للحنان في نفس الفتاة المراهقة التي تكون في هذه المرحلة مهيأة لهذا التدفق الوجداني، فما أن تسمع الكلمات التي تحلم بها من رجل غريب حتى تتوهم أنها وقعت في حبه ووجدت حلم حياتها فيه. بينما تقل هذه الحوادث في البيوت التي يديرها الوالدان بعاطفة وحب ومصارحة وصداقة مع أولادهم وبناتهم المراهقين بحيث يتاح للفتى أو الفتاة أن يصارح أمه وأبيه بكل ما يستجد في حياته وقلبه، وهي على ثقة أنهما سيتقبلان ذلك منه بسعة صدر ويوجهان له النصيحة اللائقة بالتعامل مع كل موقف لأنهما أكثر منه خبرة بالحياة وأعرف بالناس، ومرت بهما من التجارب ما يجعلهما يتمنيان تجنيب أولادهما ويلاتها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. كلمة أخيرة للوالدين: اقتربوا من أولادكم وبناتكم والغوا الحواجز التي تبعدهم عنكم، وكونوا لهم أصدقاء أوفياء تبعدونهم عما تخافون عليهم منه.. أعطوهم الأمان والحنان معا يعطوكم خفايا قلوبهم ومكنونات صدورهم. ولأولادنا وبناتنا أقول: لا تنساقوا وراء عواطفكم، ولا تصدقوا كل ما يقال، فما أكثر ما يخدع الانسان نفسه، وأعلموا أن ما يبدأ بالحرام لا يستقر على حلال، وإن النهايات السعيدة لا تأتي إلا نتيجة للبدايات الصحيحة، وأعلموا ان طاعة الوالدين -حتى على غير قناعة منكم- فيها رضا الله، ومن يرضى الله عنه يحوطه برحمته، ويوفقه في حياته، ويكتب له الخير، ويبارك خطاه، ويسعده في دنياه، ويجزيه جنته في آخرته، وذلك أجر العاملين الصادقين المؤمنين.
|