Thursday 17th March,200511858العددالخميس 7 ,صفر 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

إستراتيجيات سيطرة!إستراتيجيات سيطرة!
ميشيل كيلو

ليس سراً أن الولايات المتحدة الأمريكية خصّت الوطن العربي ببنود هامة من إستراتيجيتها الكونية، لخصَّها سيناريوهان كبيران وضعهما العقل الإستراتيجي الأمريكي، العامل في البنتاغون ووزارة الخارجية، وفي الجامعات ومعاهد البحث العلمي الكبرى.
- يقول السيناريو الأول إن على أمريكا توحيد الشمال ضد الجنوب، عبر ضم جميع القوى العظمى والكبيرة - بما فيها الصين والهند والبرازيل - داخل كتلة موحَّدة يقودها البيت الأبيض، الذي يجب أن يستطيع التحكُّم بهذه البلدان والدول، المتقدمة منها ونصف المتقدمة، التي يبدو جلياً أنها تلعب دوراً متعاظم الأهمية في الواقع الدولي، من أجل التحكم ببقية العالم، أو بخمسة أسداس البشرية، عبر قوة الشمال الموحدة.
وبما أن العرب ليسوا على درجة من التخلف والفقر تجعلهم من الجنوب بمعنى الكلمة العادي، وليسوا على قدر كافٍ من التقدم والثراء يجعلهم من الشمال الجديد، بل يحتلون موقعاً وسطياً بين هذين الكيانين الدوليين الجديدين، فإنهم يجب أن يلعبوا دور قاعدة للشمال، كي لا يتحولوا إلى قيادة للجنوب، لها من القدرات البشرية والثروات ما قد يساعد فقراء العالم وبلدانه المتأخرة والمظلومة على تنظيم نفسها وتعظيم مقاومتها، وربما قلب قواعد لعبة القطب الأمريكي الأوحد، فإن على الشمال، وبخاصة منه الولايات المتحدة، كسبهم بالاحتواء والتخويف والمصالح، أو كسرهم بالقوة والعزل والحصار والاختراق.
في هذا السيناريو، العرب قوة فصل وحسم، ولا بد من أن يُحال بينهم وبين لعب ذلك الدور، الذي لا يجوز بحال من الأحوال السماح لهم بممارسته - ناهيك عن وعي وجوده - كي لا يبدلوا معطيات ووقائع السياسات الدولية، ويتسببوا بمتاعب لا نهاية لها لأمريكا، زعيمة العالم الجديدة، التي يجب أن تنفرد بالسيطرة عليه إلى أمد غير منظور، عبر سياسة تقوم أساساً على إدارة أزماته، الأصلية منها والمفتعلة.
- ويرى السيناريو الثاني أن الصراع الرئيس سيدور في المستقبل بين الحضارات، وبخاصة منها الغربية، التي يسمونها اليهودية - المسيحية، التي تقوم على الروح الفردية، وتتصف بإنتاجية عالية، وحراك ديناميكي لم يعرفه التاريخ من قبل، والشرقية، الكونفوشيوسية - البوذية، أو ما يُعرف بحضارة الشنتو، التي ترتكز اليوم على ديناميكية هائلة وإنتاجية عالية، وتتسم بالروح الجماعية النامية.
هذا الصراع بدأ منذ القرن العشرين، وهو يحتدم بسبب تقدم الصين العاصف وخروج منطقة شرق وجنوب شرق آسيا من ربقة التأخر الاقتصادي والمدني، وتقدُّم اليابان وتعاظم دور تلك المنطقة في التجارة العالمية، واحتمال قيام منطقة اقتصادية مشتركة فيها ستكون واحدة من أعظم مناطق العالم تكوُّراً على الذات وتقدماً وتحكماً بالاقتصاد العالمي، علماً بأن إحدى دولها العظمى - الصين - تملك قدرات نووية مهمة يمكن تطويرها بسرعة من خلال التقنية اليابانية الفائقة التقدم، الأمر الذي سيحوِّلها إلى قوة عظمى هائلة الوزن والحجم، لها من القدرة ما يجعلها مؤهلة لمضايقة الحضارة الغربية اليوم، وربما دحْرها في المستقبل.
هنا أيضاً، يلعب العرب، بما لهم من مكانة ! في العالم الإسلامي، وما يمثلونه من حضارة مختلفة، دوراً مؤثراً، إن لم يكن حاسماً، في الصراع الحضاري، خصوصاً، وأن تجربتهم مع الاستعمار الغربي ستدفع بهم إلى الوقوف في صف الحضارة الشرقية، وستجعلهم حلقة فصل وحسم، فلا بد من تحييدها بكسبها، أو من كسرها قبل احتدام الصراع وبلوغه درجة تتيح لهم الانخراط فيه بفاعلية إن وعت قياداتهم ما يدور وعرفت أن لها دوراً فيه!.
وُضع هذان السيناريوهان في مطالع التسعينيات، وهما يتركزان بصورة رئيسة على العرب كأمة وكدول، وعلى عمقهم الإسلامي ودورهم المحتمل في عالمي الجنوب والشمال.
ولعله مما يثير الحزن والاستغراب أن حكام العالم العربي لم يعوا بعد شيئاً مما يحدث، ولم يبلوروا دورهم الدولي في ضوئه، ولم يفهموا معنى التصعيد الصهيوني في فلسطين، بعد الفشل الأمريكي في احتواء منظمة التحرير خلال محادثات كامب ديفيد الثانية وطابا، ومعنى احتلال العراق، الذي أعلن وزير خارجية واشنطن كولن باول أنه مقدمة لتغيير النظام العربي، بما يعتبر قراراً أمريكياً بكسر العرب، لاعتقاد بيت بوش الأبيض أن كسرهم سبيله إلى كسبهم!.
لم تتحقق بعد فرضيتا العمل الأمريكيتان ضد العرب، ولم تنجح واشنطن في إقامة حلف الشمال ضد الجنوب، أو في توحيد الغرب ضد الشرق.. لكنه توجد رغم ذلك علامات كثيرة تؤكد أن خططها ضد العرب جدية، ولها أولوية مطلقة في صراعاتها الدولية، وأنها تريد حسمها بمساعدة مزيج من الوسائل والأساليب تحتل القوة دوراً رئيساً وحاسماً فيه، منذ طرحت اسماً غير مجامل أو خجول لسياساتها ضدهم هو (الحرب ضد الإرهاب)، الدائرة اليوم على قدم وساق، فوق أرضهم وعلى مشارف عواصمهم، وضدهم.
هل تعي الحكومات العربية ما يجري، فتتخذ التدابير الضرورية للعب دور إستراتيجي مقابل، يوحِّد العالم الإسلامي والجنوب، ويفيد من تناقضات الشمال ومن صراعات أمريكا ضد عالم يقاوم سيطرتها.
هذا هو سؤال اليوم والغد، الذي يجعل تقصير حكامنا في الإجابة عليه، أو تقديم أجوبة خاطئة له، منا أمة محكومة بالرضوخ لسيطرة واشنطن اليوم، أو أية دولة أو كتلة تريد السيطرة علينا غداً!

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved