من الضروري لكل متقاضٍ قبل أن يلجأ للقضاء سواء للمطالبة بحق له أو الذود عنه، أن يقف على القواعد الموضوعية والإجرائية المنظمة لقواعد الاختصاص. وقواعد الاختصاص القضائي هي القواعد التي تحدد أنواع المنازعات التي تدخل في ولاية كل جهة من جهات القضاء إذا ما تعددت تلك الجهات، بمعنى أن تختص كل منها بنوع معين من المنازعات يحظر على الجهات الأخرى التصدي لها، لخروجها عن ولايتها التي حددها لها النظام، بحيث إن خالفت إحدى الجهات القضائية هذا الاختصاص وتصدت لنزاع لا ولاية لها بالفصل فيه كان حكمها مشوباً بالبطلان، لمخالفته قواعد الاختصاص القضائي. والذي يرغب في طرح موضوعه على القضاء، لا بد له أن يلتزم بقواعد الاختصاص التي حددها له النظام، وذلك حتى لا يفاجأ أن المحكمة قضت له بعدم اختصاصها، سواء من تلقاء نفسها كما في الاختصاص الولائي والنوعي أو بناءً على طلب خصمه كما في الاختصاص المحلي. وقد ظهرت في الآونة الأخيرة كثيراً من المنازعات التي تتعلَّق بالمساهمات في الاستثمار العقاري، كأن يساهم شخص مع آخر بمبالغ مالية للاتجار به في مجال العقار ومن ثم ينشأ بينهم نزاع ويطالبه برد قيمة مساهمته حسبما نص عليه العقد. وقد ثار تسأول حول محل الدعوى والجهة القضائية المختصة بنظرها, هل العقار هو محل الدعوى فتختص المحاكم العامة بنظرها, أم أن محل الدعوى هو المال الذي دفع لأجل المضاربة فيه فتكون من اختصاص ديوان المظالم. وبمعنى آخر هل الاختصاص منعقد للمحاكم العامة - بوصفها دعوى محلها عقار - وفقاً للمادة (32 - أ) من نظام المرافعات الشرعية الصادر بالمرسوم الملكي رقم م -21 وتاريخ 20-5-1421هـ, أم أن الاختصاص بنظر الدعوى منعقد لديوان المظالم (الدوائر التجارية) - بوصفها دعوى محلها مال دفع لأجل المضاربة فيه - وفقاً للمادة (2) من نظام الشركات الصادر بالمرسوم الملكي رقم م - 6 وتاريخ 22-3- 1385هـ, وقرار مجلس الوزراء رقم 241 وتاريخ 26-10-1407هـ. وحسماً لهذا الاختلاف أصدر ديوان المظالم حكمه رقم 256 - ت - 3 لعام 1425هـ القاضي باختصاصه ولائياً بنظر هذه المنازعات, وقد أسس حكمه على أن العقد موضوع الدعوى، هو عقد مضاربة، والذي عرفه الفقهاء (بأن يدفع رجل ماله لآخر يتجر له فيه على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه) - وهو ما يعرف بالمضاربة عند أهل العراق ويسمى قراضاً عند أهل الحجاز, المغني لابن قدامة ج 7 ص 132 - وأنه وبتطبيق هذا التعريف على العقد موضوع الدعوى أتضح أن المدعي قد دفع مبلغاً من المال إلى المدعى عليه للاتجار به في العقار مع اقتسام الربح بينهما, وشركة المضاربة تعتبر من الشركات المشمولة بنظام الشركات الصادر بالمرسوم الملكي رقم م -6 وتاريخ 22-3- 1385 حيث جاء بالفقرة (أ) من المادة الثانية من ذات النظام (ومع عدم المساس بالشركات المعروفة في الفقه الإسلامي تكون باطلة كل شركة لا تتخذ أحد الأشكال المذكورة) وهي الشركات التي وردت في صدر المادة وأقرها النظام بمعنى وجوب تطبيق نظام الشركات على ما ورد في النظام، وكذلك ما ورد في كتب الفقه الإسلامي من الشركات المعروفة ومن ضمنها شركة المضاربة التي تنطبق عليها هذه الدعوى. وديوان المظالم (الدوائر التجارية) مختص بنظر هذه الدعاوى باعتبارها من المنازعات المتفرعة عن تطبيق نظام الشركات طبقاً لقرار مجلس الوزراء رقم 241 وتاريخ 26-10-1407هـ. وواضح أن الديوان بنى حكمه على أن محل الدعوى في هذه المنازعات ليس العقار, بل المال الذي دفع للاتجار به في شركة المضاربة بغض النظر عن نشاطها سواء كان عقاراً أو منقولاً، لأن الهدف استثمار رأس المال المقدم فيما يعود على الطرفين بالربح. وبهذا الحكم، يكون الديوان قد أرسى مبدأ جديد، وحسم الاجتهاد حول الجهة القضائية المختصة ولائياً بنظر مثل هذا النوع من القضايا, وبالتالي جنب القضاء والمتقاضين الآثار التي يمكن أن تترتب على عدم معرفة ذلك من إطالة أمد التقاضي، وتكدس القضايا أمام محاكم غير مختصة, إضافة لما تضمنه هذا الحكم من دروس في التأصيل الفقهي والنظامي للأحكام, والقراءة العميقة للنصوص والتحليل الدقيق لها بما يتفق مع قصد المنظم. والله ولي التوفيق.
|