Thursday 17th March,200511858العددالخميس 7 ,صفر 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"محليــات"

رحيل كالبقاءرحيل كالبقاء
أحمد بن عبدالعزيز الصقيه

إن الحديث عن عالم مفسر محتسب أديب شاعر له في الفضل خُطى يضلع وراءها القلم، هو نبع بين أصل وفرع، يكاد ينتظم عقد فضله في قرن من الزمان، قضاه الفقيد في العلم والعمل والدعوة.
نبع صافي المعين بين أصل ثابت، يمده بسبب قوي، رحم مبارك في العلم والنسب يتصل بالمجدد محمد بن عبدالوهاب، ليتلقى ينبوعه العذب بجامعة من جامعات العلم ومنارة من منارات الفضيلة هو والد الفقيد الإمام محمد بن إبراهيم.. وليبقى معين ذلك النبع ثراً في فرع خير وعقب صالح يتمثله بجلاء الابن البار معالي الشيخ صالح..
كل هذا يجعل الكاتب حائراً بين العزاء بفقده، والتوجع على فراقه.. وبين ذكر شيء من محاسنه، وطرفا من فضائله، إذ إذاعة مناقب مثل الشيخ وإظهار محامده وإعلان مفاخره مما يقصر عن حقه فيها طويل الثناء.. وحسبي من القلادة ما أحاط بالعنق.
أيها القراء الكرام.. إن خبر وفاة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف - رحمه الله وأسكنه فسيح جناته -، كما أحزن أحباء الشيخ وأمضهم.. فكذلك شاركهم الكثير ممن نابهم الحدث، وحزبهم الخطب، ممن لم يلتق الشيخ، وإنما عرفه من خلال جهوده وأعماله وكتبه، ولا أدل على ذلك من جنازة الشيخ المهيبة التي لم يغب عنها أحد ممن يعد في أهل العلم، وكذا لم يفتقد فيها أهل الفضل من الأمراء وسائر العلماء.. وهذا يظهر بجلاء رسائل الشكر ودلائل العرفان التي يحملها هؤلاء لجهود هذا العالم الجليل.. غفر الله له وعفا عنه.
ولقد ذكرني هذا بالقصيدة التي رثى بها الفقيد الشاعر والده الإمام محمد بن إبراهيم - غفر الله له - والتي هي أبلغ ما يرثى به الفقيد من قوله - رحمه الله - حيث يقول فيها:


ولئن تفطرت القلوب أسى على
فقد الحبيب فإنها بلواء

والقصيدة بكاملها منشورة بمجلة الدعوة في عددها 131 بتاريخ 13-10-1389هـ بعنوان (ولئن تفطرت القلوب).
أيها القارئ الكريم..
إن من تعامل مع الشيخ المحتسب عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم وخبره عن قرب وعرفه عن كثب يبرز له المرتبة الكبيرة التي كان الشيخ عليها فمن عاصر الشيخ إبان عمله في رئاسة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثلا رأى كيف كان الفقيد محبوباً من قبل العاملين معه، صغارهم قبل كبارهم، فقد كان الشيخ مناصراً لهم في كل حق معيناً لهم على كل خير ولم يكن الشيخ يقر أي أذى يلحق المحتسبين بسبب عملهم.
ولقد التقيت جمعاً كبيراً ممن أمضوا عقوداً في جهاز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من رؤساء وأعضاء.. فوجدت منهم ثناءً عابقاً ووداً وافراً للفقيد.. إذ كان الشيخ قوياً بلا قسوة، ليناً بلا ضعف.. فقد كان الشيخ محمود السجايا، حسن الخلق، سمح الطباع بل كان يعامل أصغر العاملين في جهازه بكل أدب وتواضع وتودد.
ومما منّ الله به على الفقيد من أبواب الأجر والثواب التي لا تنقطع مع ما سبق من العلم والعمل والدعوة والاحتساب صلاح الولد والعقب، وقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الولد الصالح هو من أعظم النعم وأجل المنن، وقد وفق الله تعالى الشيخ في ذلك ولست هنا أتذكر إلا قوله تعالى: { ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} قال قتادة - رحمه الله -: (في النية والعمل والإخلاص والتوحيد).
كيف لا والفقيد سليل المجد والعلم! إذ والده الإمام محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب - رحم الله الجميع - { ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.
وقد استعرضت العشرات ممن كتب في سيرة الإمام محمد بن إبراهيم، فرأيتهم يذكرون سماحة الشيخ عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم من كبار طلاب أبيه الإمام محمد، كما صنع الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف آل الشيخ في كتابه (مشاهير علماء نجد وغيرهم)، وكذا صنع الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن البسام في (علماء نجد خلال ثمانية قرون) كما ذكر ذلك عبدالفتاح أبو غدة في كتابه (ستة من كبار فقهاء العالم الإسلامي)، وكذا ذكره الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن قسام في ترجمة للإمام محمد بن إبراهيم في مقدمته لمجموع فتاوى ورسائل سماحته.
ومن سمع بأعمال الشيخ ومناصبه المتعددة من خلال أعماله الكثيرة في رئاسة القضاة ورئاسة الكليات والمعاهد، وجامعة الإمام، ورئاسة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وانتهاء بعمله مستشاراً بالديوان الملكي.. من سمع بذلك ظن أن الشيخ قد انصرف عن التصنيف.. وهذا ما لم يحدث، فقد كان للشيخ عدد كثير من المصنفات من أهمها:
1- (الفتح الرباني)، وهو مختصر لتفسير الإمام محمد بن علي الشوكاني، وقد جلاه الشيخ وهذبه ونقحه وعلق عليه، وهو سفر مبارك يقع في أربعة أجزاء كبيرة.
2- (أوضح المسالك لمعرفة أحكام المناسك)، وهو كتاب متوسط الحجم يقع في 93 صفحة، وقد ذيل الشيخ منسكه هذا بمبحث سماه (مقاصد حسنة بأعلام بيت الله الحرام)، وهي مستخلصة من تاريخ القطبي المسمى كتاب الأعلام.
3- وكذا للشيخ كتاب (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الماضي والحاضر)، وقد ضمنه توجيهات وفوائد وقواعد في الأمر والنهي، وكذا أورد فيه شيئاً مما دار بينه وبين بعض المسؤولين من مكاتبات.
4- (قطوف الثمر وعقود الدرر من كلام سيد البشر) وهو مختصر من كتاب الترغيب والترهيب للحافظ المنذري.
5- تحقيق كتاب الآداب الملوكية في صلاح الرعاة والرعية من رشحة النصيح على الحديث الصحيح.
وقد قام الشيخ بتصحيحه وتنقيحه والتعليق عليه.
6- وللشيخ أيضاً (المختار من مجلة المنار).. وهو من إعداد الشيخ وتعليقه وهو جهد مشكور وصنيع مبرور لتسليط الضوء على جهود العالم الشيخ محمد رشيد رضا.
وللشيخ مشاركات مميزة في إعداد البحوث العلمية، ومن تلك البحوث:
- بحث بعنوان (أحكام الشريعة بين التطبيق والتدوين)، وهو منشور في العدد الرابع عام 1363هـ بمجلة أضواء الشريعة التي تصدرها كلية الشريعة بالرياض، وكذا بحث بعنوان (نماء اللغة العربية وبقاؤها بجهود أبنائها) وهو بحث منشور بمجلد كلية اللغة العربية بالرياض، الجزء الثاني.
- وكذا بحث مقدم لمؤتمر (المملكة العربية السعودية في مائة عام) والذي انعقد في الرياض 7- 11 شوال 1419هـ، حيث تقدم الشيخ ببحث مميز يقع في 40 صفحة بعنوان (آثار وجهود علماء المملكة العربية السعودية لنصرة ولاية الإمام الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن فيصل آل سعود - رحمه الله - ) وذلك ضمن محور المكانة الدينية للمملكة.
كما للشيخ مشاركات في عدد من المقالات بعدد من المجلات ومن تلك المقالات ما صدرت به مجلة الشريعة بالرياض عام 1389هـ في عددها الأول بأسلوب أدبي رصين ضمن الكلمة الافتتاحية للمجلة ومن تلك الكلمات يقول الشيخ: (مع النبضات الحية التي استمدت قوتها المتدفقة من روح هذا الدين وواقعيته وسماحته، ومع طموح هذا الشباب ووثباته القوية، مع الوعي الكبير لرسالتنا في الحياة، مع هذا ومع الآمال الباسمة، وتمشياً مع روح الإصلاح والبناء يشرق العدد الأول من مجلة أضواء الشريعة). وكذا مقال تصدر العدد الأول من مجلة كلية اللغة العربية بالرياض بعنوان (لغة القرآن أمانة في أعناق المسلمين) 191هـ وغيرها كثير مما لا يتسع المقام لبسطه وتفصيله.ومما يحسن نقله ليكون مسك الختام، ما ختم الشيخ به كتابه (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) بقوله: (إني أدعو علماء الأمة وفقهاءها ومفكريها وأدباءها المحتسبين بالقيام بواجب الدعوة إلى دين الله بكافة الأنشطة وأن يعوا حقيقة واقع الأمة الإسلامية وأوضاعها المريرة وتداعي الأمم عليها بكافة أنواع الهدم ووسائل الفساد) أ.هـغفر الله للفقيد وأسكنه فسيح جناته، وألهم أبناءه وذويه الصبر والسلوان، وصلى الله على نبينا محمد.
القاضي بديوان المظالم

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved