لم يستطع الشعر العربي الحديث أن يكون له أرضية واسعة من القراء، أو شعبية تمكنه من الحلول فوق العروش الضخمة التليدة للقصيدة التراثية، سوى تجارب محدودة كقصائد نزار قباني التي كانت تروج لنفسها عبر توظيف (التابو) والمحظور الجنسي والديني. إذا كان هنالك فراغ كبير في المساحة الشعرية على اعتبار ان الشعر هو روح الشعوب وقلبها النابض وصندوق آمالها وطموحاتها فالقصيدة التراثية تناءت خلف هيكلها الفخم الجزل ولغتها المطوقة بالبديع والبيان، الذي يأخذها بعيداً عن تقمص روح العصر ونبض المجموع، بينما القصيدة الحديثة ظلت غريبة لعدة أسباب قد يكون حصار المدرسة التقليدية ورقابتها، وعدم استطاعتها التغلغل إلى المتذوقين سوءا عبر المناهج الجامعية أو التعليمية في المدارس، إضافة إلى التهمة الأيدلوجية التي ظللت تطاردها فأصبح الجميع ينظر لها بعين الشك والريبة. في هذا الفراغ القديم قام الشعر الشعبي على غفلة من الصراع بين المدرستين القديمة والحديثة محاولاً أن يملأ الفراغ الموجود على المستوى الشعري، متوسلا قبوله الاجتماعي الكبير والتراكم التراثي الواسع الذي يدعمه، فاستطاع عبر هذا أن يستحوذ على المشهد الشعري بشكل شبه كامل حتى انه تجاوز المستوى الشعبي وأصبحنا نجده في المحافل الرسمية والصحف المحلية وبقية وسائل الإعلام، بل بات هناك كم هائل من الإصدارات الخاصة بالشعر الشعبي تبرقش واجهة بيع المجلات، نراها تتناقل بين يدي الشباب.. ولاسيما أن تلك القصائد هي المرجعية الأولى للفن الغنائي المحلي. والقضية هنا ليست في الشعر الشعبي فأنا شخصيا أستمع للكثير منه بل وأستعذبه، ولكن في المرجعية الفكرية له والشحنة الثقافية التي تطوق أبياته، فهو ما برح مثقلاً بجميع الحمولة الفكرية التقليدية بشكل يقعده عن تمثل دور الشعر المهم كدرب طليعي وريادي في التقدم والتغيير.. فهو مابرح يرسخ الشعر كوسيلة للتسول في بلاط السلطان، وما برح يروج للنموذج الصحراوي المتمرد البدائي الذي يرفض شروط المدنية الحديثة، وما برح يتوسل المرأة كشيء مغيب عن أبعاده الإنسانية فقط مخلوق مثير للغرائز بعنق طويل وجيد غزلان، ومن هنا بالتحديد أصبح هناك خمول في الذائقة الشعرية التي توسلت الشعر الشعبي ليتوافق مع المألوف والمعروف، أيضاً هذا رسخ الشعر كقيمة رجعية تحتوي على جميع الحمولة الثقافية الصحراوية البعيدة عن تقمص روح المدنية وشروطها، الشعر الشعبي أسهم في الكثير من نواحيه في ترسيخ العديد من المفاهيم البائدة.. كالتنابز العنصري والتشنج القبلي، إضافة لما أسلفت حول طبيعة المفهوم والتصور للكون والحياة، المفارقة الآن أنه يحتل المشهد الشعر باستبداد وتسلط مدعوم ببطانة شعبية وافرة وسوى بعض من المغامرات الشعرية (الشعبية) المتميزة التي تتحدى البائت والمألوف وتلجأ إلى الشعر النابض الحي المتألق.. والجديد.
|