هواجس الحروب الخارجية أصبحت شبحاً يقض مضاجع الأمريكيين فهم يرفضون المعارك الجارية حالياً في العراق بل ويستبقون خطط إدارتهم معربين عن رفضهم لاحتمال حروب أخرى في أكثر من مكان من كوريا الشمالية إلى سوريا مروراً بإيران، وتنطلق المخاوف من تجربة مريرة ما زالت تتوالى فصولها الدامية في العراق، بينما يضيف كبار السن في المجمتع الأمريكي تجارب أخرى ربما أكثر مرارة في فيتنام خلال الستينيات الميلادية. وبلغة الأرقام فإن أكثر من 70 بالمائة من الأمريكيين يعتبرون أن الخسائر بين جنودهم أصبحت غير مقبولة، وكان 70 بالمائة قبل عامين يعتقدون بأن الحرب مبررة، لكن الآن فإن حالات الهروب الكبيرة من صفوف الجيش تقف مؤشراً على محنة انحدار جيش أكبر قوة في العالم إلى مستنقع يصعب الخلاص منه، وإذا لجأنا إلى الأرقام مرة أخرى فإننا سندرك هول ما يحدث، إذ تشير التقديرات الأمريكية إلى أن أكثر من 5500 جندي أمريكي فروا من الخدمة في العراق. ومن الواضح أن حالات الهروب الكثيرة تتوافق مع انعدام أفق من الأمل بإمكانية خروج قريب من العراق، وهذا الأمر لا يعكس قنوطاً ويأساً في نفوس الأمريكيين فقط بل هو يفعل ذلك وقبل كل شيء في نفوس العراقيين، فالإدارة الأمريكية لا تتحدث مطلقاً عن انسحاب وشيك وإنما تلمح كل حين وآخر إلى أنها قد تبقى هناك لفترة طويلة. وبالنظر إلى المشروعات الأمريكية السياسية في المنطقة المنظورة وغير المنظورة فإنه من الواضح أن القوات الأمريكية قد تطيل بقاءها في العراق ليس فقط بسبب الأحوال في العراق وإنما أيضاً للاعتبارات الإقليمية التي قد تستوجب عملية أمريكية ما، فضلاً عن أن واشنطن تعتقد أن مجرد وجود قوة عسكرية هائلة يمكن أن يفيد في المناورات السياسية تجاه مختلف التطورات في المنطقة، فهناك على سبيل المثال الوضع المتوتر بين واشنطن وكلٍ من سوريا وإيران، وهناك الحاجة الإسرائيلية لوجود أمريكي دائم يعزز العقلية العدوانية الإسرائيلية. وربما يفيد الولايات المتحدة بدلاً من تشتيت جيوشها في مساحة واسعة بالعالم أن تلجأ إلى أساليب أقل عسكرية في تعاطيها مع الأزمات الدولية لأن الدفع بالطروحات العسكرية إزاء أي نزاعٍ يجعل الأطراف الأخرى تجهد لبناء قوتها العسكرية بما في ذلك القوة النووية لتكون في مستوى التحدي العسكري الأمريكي.
|