لا أعتقد أن كلمة (سفير) تخفى دلالتها أو تغيب عن البعض مكانتها وإذا كان القدماء يصفون (السفير) أحياناً (بالرسول) أو العكس فهو يقدم صورة حقيقية كاملة عمن بعثه أو أرسله ويقوم بتنفيذ المهمة المناط بها بكل أمانة ومسؤولية. بدون جدلية معروفة أدلف إلى غاية قصدي في هذا الاستدلال، وهو: هل قام سفراؤنا حقاً بدورهم ومسؤولياتهم تجاه وطنهم وبلدهم المملكة العربية السعودية.. خصوصاً في خضم هذه الأحداث المتعاقبة والصورة المشوّهة والتعبئة الكبرى التي تقوم بها المؤسسات في الشرق والغرب للإساءة إلى المملكة العربية السعودية وشعبها أو على الأقل في مواجهة المؤسسات المنظمة وتصحيح الصور المغلوطة والمقلوبة عن هذا الوطن الأم؟!. هذا التساؤل قادني إليه وأنا أطالع سفيرنا الأمير تركي الفيصل يقوم بنشاط غير مسبوق في قعر بريطانيا التي نالها حظها من تشويه صورتنا لديها والخبر يشير إلى محاضرة ألقاها سموه عن التفاهم بين الأديان. تناول في محاور رئيسية منها علاقاتنا مع الغرب كالتسامح والتعامل مع أهل الذمة بالمودة والكلمة الحسنة.. إضافة إلى القيام بتوزيع ترجمة معاني القرآن الكريم بالإنجليزية لإعطاء صورة صحيحة عن موقف الإسلام من الأديان السماوية. . بل إن السفير الأمير قد قام بمبادرة تعتبر الأولى في بريطانيا حيث توجه سموه إلى كنيسة ترو فنار وألقى بها محاضرة عن الإسلام بحضور مسلمين ومسيحيين ويهود. وإنني أتساءل وأوروبا الموحدة تحتضن سفارات عدة لمملكتنا يقوم عليها سفراء وأمناء ينتظر منهم على الأقل في مثل هذه الظروف القيام بدور نشط في تصحيح الصورة المغلوطة عن بلادنا ودورها في احتضان رجالات العلم والفكر والثقافة والإعلام وتزويدهم بالمعلومات الصحيحة الصادقة وجلاء الحقيقة لهم واستنفار الجهود في السفارات خصوصاً في بعض تلك الدول الاستعانة ببعض مثقفي بلادنا رجالاً ونساءً لإيضاح الصورة الحقيقية عن وطننا. كنت في إحدى زياراتي إلى بلجيكا توجهت إلى السفارة السعودية هناك التي لا أتردد في زيارتها في أي بلد أو دولة لأني اعتبرها بيتي الثاني، والتقيت سفيرنا هناك الشيخ ناصر العساف لأول مرة ولم يكن يعرفني قبل.. جلست معه جلسة قاربت الساعة تحدث بعفوية مطلقة ولم يكن هناك تلك الجدر المضروبة لدى بعض السفراء. تحدث إليّ عن هموم عديدة من وعي الجاليات المسلمة هناك وتصرفات الأفراد المسيئة إلى الإسلام.. وهو شخصية أعتقد أنه يمثل عمادة السلك الدبلوماسي في لكسمبورج. وفي زيارات أخرى إلى دول عديدة كانت بعض السفارات السعودية أشبه ما تكون ثكنة عسكرية لا يخيّل إليك أن تطرق باب السفير أو تدنو من جانبة مع أنك ابن جلدته وتتحدث بلسانه. خلال جلستي مع الشيخ ناصر العساف تذكرت الأسطورة أبو سليمان الشبيلي الذي جسد روح المواطنة وسمو الأخلاق وعلو المكارم إنها أمثلة حتى لا يرد كلامي بالمثالية لأؤكد أن بالإمكان من خلال هذه النوافذ المعطاءة المتمثلة في ثقافة الأمير تركي الفيصل وسعيه الدؤوب لإيضاح رسالة بلاده وشعبها وانفتاحه وتنويره. يمثل نموذجاً رائداً للسفراء الأمناء الذين يعون ماهية المهمة كما أن الخيمة الثقافية في القاهرة برعاية السفير إبراهيم البراهيم تعد بادرة رائعة تتاح للنشر والتقليد المحمود. ولا أنسى أن أشيد بالأسبوع الثقافي الذي أقامته السفارة السعودية في لندن وحظي بإقبال منقطع النظير من قبل البريطانيين. والذي ذكرني بمعرض الرياض بين الأمس واليوم والذي رعاه سمو الأمير سلمان بن عبدالعزيز قبل أكثر من ستة عشر عاماً وكان بحق نقلة رائعة عن حضارتنا وصورتنا إلى الخارج بأسلوب جذاب. ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى مثل هذه الأنشطة الفاعلة ثقافياً وفكرياً وإعلامياً كي نقدم الصورة الأخرى عن بلادنا التي باتت مخنوقة من قبل الإعلام المتحامل.
|