Tuesday 29th March,200511870العددالثلاثاء 19 ,صفر 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في "مقـالات"

الأزمنةالأزمنة
المشوار الوظيفي(3)
عبدالله بن عبدالعزيز بن إدريس

في الحلقتين الماضيتين من هذا المشوار تحدثت عن وظيفة أو عمل (المفتش الفني) وعن زيارتي لكلٍ من (المعهد العلمي) في بريدة، بمنطقة القصيم ومثيله في (صامطة) بمنطقة جازان.. واكتفي بالحديث عنهما عن بقية المعاهد الأخرى.. اختصاراً لهذا المشوار.
بعد سنتين من عملي في التفتيش رُقيتُ إلى مدير التفتيش والامتحانات في الرئاسة العامة للكليات والمعاهد العلمية في منتصف عام 1378هـ في هذا العام، وبعد اكتمال وتجهيز مباني وزارات الدولة في شارع المطار (الملز) وفي شوارع أخرى.. ومباشرة الموظفين فيها - تم تجهيز مباني أملاك الدولة التي قامت بها (شركة عرين) وبدأ توزيعها على الموظفين الذين رغبوا الانتقال من مناطقهم إلى الرياض.. وهو تسهيل لإقامتهم في مساكن يتملكونها عندما يتم تسديد أقساطها الشهرية، على مدى (24) عاماً.
حاولت مع رئاسة الكليات أن تتوسط لي مع (وزارة المالية) لمنحي مسكناً من هذه المساكن.. يُقسّط على راتبي كحال الموظفين القادمين من المناطق الأخرى.. إلا أنني اصطدمت مع نظام هذه الفيلات، حيث قالوا إنها مخصصة فقط للموظفين المنقولين من مناطق نائية، ولاحظّ فيها للمقيمين في الرياض.. إلا استثناءات قليلة.
ولماعيل صبري من التنقل بين البيوت الإيجارية.. ذهبت إلى الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن حسن آل الشيخ وزير المعارف يومذاك - رحمه الله - وطلبت منه ما طلبته من رئاستنا.. قال لي انتقل إلينا في الوزارة، وسأسعى لمساعدتك في هذا الشأن إن شاء الله.
فبدأت محاولتي مع رئاسة الكليات والمعاهد العلمية في أحد خيارين: إما السعي بجهودهم ونفوذهم في تحقيق هذا الهدف.. وإما أن يطلقوا سراحي للانتقال إلى جهة حكومية أخرى، لعل وعسى أن يدركوا لي ما أنا بأمسّ الحاجة الضرورية إليه وهو (المسكن).
ولكن الرئاسة أصرت على بقائي، وعدم السماح لي بأن انتقل منها.. وقد ناكَفْتُ الشيخ عبداللطيف بن إبراهيم في هذا الأمر عدة مرات وقلت له إن مكانة شيخنا محمد - الرئيس العام - فوق مكانة أي وزير كان، ولن يعجز عن أمرٍ كهذا.. قال هذا صحيح، ولكن الشيخ سيكون محرجاً أن يطلب لشخصٍ من موظفي الرئاسة دون الموظفين الآخرين.. ولو طلب للجميع لما أمكن أن يتحقق..!؟ لم يبق أمامي سوى (شينة النفس) وكثرة (الشغب) معهم لعل ذلك يجعلهم يَمَلّون مني ويفتحون لي باب الانتقال! وبقيت على هذه الحال مع إصرار شديد.. مدة سنة كاملة، إلى أن تحقق لي ما أردته.. وانتقلت إلى (وزارة المعارف).. وكتب الشيخ خطاباً للوزير يبلغه فيه السماح لي بالانتقال إليها.. وليس هذا فحسب.. بل كان خطاباً في منتهى الفضل والوفاء وكريم الأخلاق.
أثنى فيه علي الشيخ عبداللطيف - رحمه الله - بما ليس في حسباني.. بل كان عكس ما توقعته بسبب إلحاحي عليه.. ومشاغبتي معه.. حتى لقد قال الأستاذ سعد أبو معطي وكيل الوزارة، أو المدير العام حينذاك - رحمه الله - (أهنئك يا أخ عبدالله على هذا الخطاب الذي يعتبر أجمل وثيقة يحملها موظف في حياته، ووالله إني أود الحصول على خطاب مثل هذا الخطاب وأتقاعد في نفس اليوم).
***
ما إن استقر بي المقام في الوزارة حتى ذهبت إلى وزير المالية الشيخ عبدالله بن عدوان - رحمه الله - وعرضت عليه حاجتي الماسة إلى تمليكي إحدى (فلل أملاك الدولة) وأعطيته خطاب وزير المعارف الذي يساند طلبي. قال لي الشيخ ابن عدوان: خطاب وزير المعارف أو أي وزير آخر لا يقدم في هذا الأمر ولا يؤخر! وهم يعرفون ذلك، وأنت لك قيمتك ومكانتك في الدولة والمجتمع ولكنك ما جئتنا (إلا بعد ما طارت الطيور بأرزاقها)؟.. وكان في مكتبه تلك الساعة الأستاذ ضحيان العبدالعزيز - رحمه الله - وهو مساعد الأستاذ عبدالله الضبيب مدير إدارة أملاك الدولة، سأله ابن عدوان: هل بقي شيءٌ من الفلل لم تكتب باسم أحد؟ قال: لا أدري سأذهب لأحضر لك (ملفها).
نظر الوزير في الملف ووجد فلة واحدة كبيرة لم تؤخذ بعد.. قال نعطيك هذي.. سألته: كم قسطها الشهري؟ قال (600) ريال، قلت هذا حوالي نصف راتبي.. فماذا يبقى لبيتي لو أخذت هذه الفيلا؟.. أنا أعرف واحدة في شارع الجامعة، من (المتوسطات) في الحجم.. قد خرج منها الوزير (فلان). اكتبوها لي، سأل ضحيان هل هي ما كتبت لأحدٍ؟ قال ضحيان: عليها طلب من فلان، في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية.. قال (بس اكتبها باسم ابن إدريس.. فهو أحق بها..).
كان حصولي على هذه الدارة (الفيلا) من أهم فصول حياتي في ذلك الحين، وخاصة أنني لم أعد أرَوّع بالمؤجر بطرق الباب علي قبل صلاة الفجر أو بعدها يطلب الإيجار للفترة القادمة، أو إخلاء البيت.!وكانت فرحتي وفرحة أسرتي بهذه (الدارة)، فرحة غامرة، قد سكناها ما يقارب ربع قرن في أنس وأُلفة ومحبة وتواصل بيننا وبين الجيران من مختلف مناطق المملكة، وكان الفراق مرّاً ولكن لابد مما ليس من بد.
شكرت الشيخ عبدالله بن عدوان، ودعوت له ولا أزال أدعو له، لأنه صنع إليَّ معروفاً لن أنساه ما دمت حياً، ولقد أرشدنا سيدنا محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه بقوله (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه.. فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا انكم قد كافأتموه).
***
بعد خروجنا من هذا البيت وحين حان هدمه مررت به وهو يهدم فتأثرت بذلك المنظر المفجع.. من دار عامرة مطمئنة إلى كتل من الأسمنت والحديد والركام.. فكتبت الأبيات التالية.. ولا أدري إن كنت سابقاً بهذا الرثاء.
-*-*-*
يا دار
-*-*-*


يا دار ماذا دهاك اليوم يا دار
حتى تفشّتك بعد الصفو أكدار
حتى تواريت من دنيا الوجود لنا
فزال منك تشاخيص وآثار
ما كان أصعب أن تُمني بداهية
أين (الديناصور) منه حين يَمْتار
أوْ ما عليك (بكف) ملؤها حرد
و(مخلب) إنْ يَمَسَّ الصخر ينهار
فما عساك بهذي الكف صانعة
وهي الحديد وأنت الرمل والقار
هذا (الدركتر) لا يُبقي على مِقةٍ
فيما يعايش إمّا انداح تيّار
أهوى عليك فما صعّدتِ من نفسٍ
لما عَراكِ.. وما أنجاك تذكار
كانت حبانك يا داري منزهة
عما يشين.. ولم تمسسك أوضار
والحمد لله أن أولى بنعمته
لساكنيك.. فما ضلوا ولا جاروا
وما اشتكاهم على الأيام من أحد
أو ظل يشناهمو حيٌّ ولا جار
وكنت مرتعاً بل كنت منتجعا
يفيء نحوك أحباب وزوار
لقد بقيت بربع القرن شامخة
بساكنيك.. فنعم الأهل والدار
ذرفت دمعة محزون ومنفجع
لما غَشَاكِ من التحطيم عِثْيار
وقد تصور لي أنا بمقبرة
وأنت ميتنا.. يا أيها الدار(1)

يتبع إن شاء الله
(1) ديواني (إبحار بلا ماء)، طبعة 1419هـ ص(101).

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved