* علي السبيعي : مع أن البعض التوت عنقه من كثر تطلعه إلى ما وراء الحدود وربط الإبداع والحركة الثقافية شرقاً وغرباً ما عدا الوطن!! وخصوصاً في ظل غياب المنهجية الإعلامية الثقافية الوطنية ودورانها في نطاق الأسلوب المدرسي وعدم تسليط الضوء بشكل متواصل على الحراك الثقافي السعودي، إلا أنني سأخالف ذاك كله إحياء لأدب الرحلات الذي كاد يندثر وكانت الرياض الحبيبة مداره الأول في كتابات العرب والغرب طوال القرنين الماضيين والتي ما زالت مغرية بالحديث عنها ورغم أنني أزورها مرة كل عام فأجدها عروساً تنفض جدايلها جمالاً وبهاء مجسدة مقولة العرب أن كلاً يأخذ من اسمه نصيباً فكانت حقاً رياضاً للمعرفة والثقافة والأدب وتحقيق الإبداع في مجالاته المختلفة إلا أنني وجدت ذاك أكثر عمقاً أثناء حضوري للمهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) في دورته العشرين هذا العام مرافقاً إعلامياً لفرقة جمعية الثقافة والفنون بجدة لعرض مسرحية (الدمى) في فعاليات النشاط المسرحي وهو حديث هذه الأسطر المفعمة بالتفاؤل حيث كانت. وما زالت تلك الفعاليات فرصة ثمينة أن ترى جميع مناطق المملكة في مكان واحد بحيث تتجسد اللحمة الوطنية على مسرح الجنادرية مما يعمق التواصل وتوثيق العلاقات والانتماء الوطني كما كانت تلك الليالي فرصة جد ثمينة ان يعقب كل عرض جلسة نقاش مفتوحة حتى بواكير الصباح يشارك فيها غالبية الحضور المهتمين بالمسرح ومن خارج الوفود المسرحية أيضاً مما يكون إثراء ثقافياً أكثر من رائع وقف خلف ذلك الفنان محمد المنصور رئيس لجنة مسرح الجنادرية الذي يبذل جهداً كبيراً في سبيل تحقيق ذلك!! ومن المسرح وشجونه وهمومه الكبيرة إلى الهم الثقافي حيث لاحت لي فرصة عذبة في زيارة دارة علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد الجاسر في ضحى يوم الخميس 22-1- 1425هـ وهي تلك الضحوية التي اعتاد الشيخ في حياته ان يعقدها في كل أسبوع وهو ما اتفق على استمرارها أسرته وأصدقاؤه وتلاميذه النجباء وعلى رأس أولئك ابنه الأستاذ معن حيث دار الحديث إلى آذان الظهر كما هو معتاد في تلك الجلسة في حوار مفتوح مع الدكتور سليمان العثيمين عن كتابه الجديد عن طبقات الحنابلة والذي ذيل به على ما سبقه في رصد علماء المذهب الحنبلي منذ عام 1345هـ إلى يومنا الحاضر حيث دار حديث تاريخي جامع ما زالت طراوته حتى هذه اللحظة ثم بدأت جولتي في عاصمة العروبة والثقافة الرياض الحبيبة حيث قمت بزيارة دارة الملك عبد العزيز ذاك الصرح المعرفي الوطني الشامخ الذي تعرفت على الجهود المقدمة من خلاله في دراسة تاريخ الجزيرة العربية الشامل والمملكة العربية السعودية على وجه الخصوص منذ أكثر من عشرين عاماً منذ كانت الدارة في مبناها القديم ورغم ان هذه الزيارة الثالثة لي في مبناها الجديد في منطقة عبق التاريخ إلا أنني اكتشفت في كل مرة شيئاً جديداً سواء من الناحية الجمالية للموقع أو من ناحية المضمون الرائع في تفصيلاته ومحتواه نحو توثيق وطني والدارة حققت معناها اللغوي فكانت دارة واسعة فيما تضمه من فروع متجانسة تصب في نفس الهدف مثال مركز الباحثات ومركز الوثائق والمخطوطات وقصر المربع وقاعة الملك عبد العزيز التذكارية والمشروع الوطني لتوثيق المصادر التاريخية للمملكة العربية وكذلك جمعيتي التاريخ والآثار لدول الخليج العربي والجمعية الجغرافية الخليجية السعودية اللذين يرفدان الدارة إضافة للإصدارات القيمة التي تصدرها الدارة تباعاً والتي قاربت المائة والخمسون كتاباً في كافة المعارف التي تتعلق بتاريخ الجزيرة العربية والمملكة على وجه الخصوص كما يجاور الدارة وكالة المتاحف ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي وحدائق غناء تسر الناظرين فتجد نفسك في إثراء معرفي وجمال بلا حدود! كذلك كانت لي فرصة ثمينة أن أقوم بزيارة قناة الإخبارية تلك القناة الوليدة التي أرى أنها بدأت تشب عن الطوق وتثبت نفسها وتنافس نحو إيجاد هوية وطنية للخبر الفضائي التلفزيوني رغم عمرها القصير الذي دخل عامه الثاني وطبعاً الآمال عراض وهي وقفة للإشادة بجهود مديرها الشاب الدكتور محمد باريان صاحب الخلق الجميل ومجموعة الشباب الوطني المتسلح بالعلم والثقافة أخص الزميلين المخرجين بندر عبد السلام وخالد الغامدي اللذين رافقاني وأطلعاني على نشاط وأقسام القناة حيث شاهدت تطور الإعلام السعودي على أرض الواقع كما قمت بزيارة إذاعة الرياض وشاهدت مع رفيقي في معظم الجولات التي قمت بها الصديق الدكتور عبد الله الحيدري رئيس قسم الإعداد بإذاعة الرياض وعايشت الجهد الإذاعي الكبير والالتقاء بالزملاء الإذاعيين عبر لقاءات ماتعة وعلى رأسهم الأستاذ إبراهيم الصقعوب مدير عام إذاعة الرياض والمخرج فهد الرويجح وفي اليوم التالي قمت أثناء تلك الجولة القليلة في أيامها (أربعة أيام) بزيارة النادي الأدبي حيث التقيت بالزملاء وكنت أود الالتقاء بالدكتور محمد الربيع لولا انشغاله باجتماع مجلس إدارة النادي وقد اطلعت على تطور النادي ومشاريعه القادمة ولعل أهمها في نظري مجلة حقول تلك المجلة الوليدة الهامة في دراسة تاريخ أدب الجزيرة العربية والتي لا أدري لماذا توقفت حتى الآن عند ظهور العدد الأول فقط رغم أهمية طرحها الهام والذي يسد فراغاً كبيراً ؟! بزيارة مكتبة الملك فهد اوطنية حيث كانت لحظات جميلة مع الكاتب المسرحي المعروف عبد العزيز الصقعبي الذي يشغل مدير عام قسم الإيداع والترقيم حيث تجولنا على مدى أكثر من ساعة ونصف ساعة في أنحاء هذا الأرشيف الوطني الذي بحق أكبر من النظرة العامة لدى البعض أنه مكتبة الكتاب فهو إشعاع معرفي جد هام ومن يزره يجد ذاك حقا فهناك المتحف بكنوزه الثمينة التي لا يقدّر بعضها بثمن، هناك أيضا قسم البحوث حيث يطلع الباحث أو الباحثة على أي كتاب أو رسالة جامعية طرحت عبر المنشآت التعليمية في أنحاء المملكة كل ذلك في دقائق معدودة وهو إنجاز هام لمن علم قيمة البحث وهمومه، كذلك اطلعت على المشروع القادم لتطوير حجم المكتبة شكلاً وموضوعاً ومضى الوقت سراعاً دونما نعلم فما كان منا إلا توديع الجميع شاكراً إياهم على هذا الجهد الوطني الضخم ثم إلى موقع آخر حيث كانت خاتمة الرحلة بزيارة جمعية الثقافة والفنون المركز الرئيس حيث دار الحديث عن شؤون الثقافة والأدب وهموم الفن مع الأستاذ محمد الشدي رئيس مجلس الإدارة والذي ما زال يشع نشاطاً وتفاؤلاً رغم الصعوبات العديدة، وعشنا التفاؤل معاً بتطور الجمعية ونشاطها القادم بعد انضمامها لوزارة الثقافة والإعلام، ألم أقل لكم إن الرياض مغرية بالزيارة والحديث عنها في ظل ذلك التطور الذي تجاوز حد الزمن.. ومن منطلق شكر الناس من شكر الله كما هو في الأثر فإنني باسم كل محب للرياض وزائر لها نقدم الشكر لكل من ساهم في إبرازها للوجود وعلى رأسهم سمو أمير الرياض وسمو نائبه وإلى لقاء آخر في زيارة أخرى نحو تأصيل وطني للرحلة والثقافة في أنحاء الكيان الكبير المملكة العربية السعودية.
(*)رئيس لجنة الإعلام والنشر بجمعية الثقافة والفنون بجدة
|