يعيش الاقتصاد السعودي في هذه الأيام مرحلة جديدة من مراحل البناء وإعادة البناء وفقاً للمتغيرات الاقتصادية الدولية والإقليمية والمحلية ووفقاً للبيئة التنافسية التي تفرضها الاقتصاديات الإقليمية المجاورة. ومن المنطقي جداً أن تفرض هذه التقلبات والتغيرات ردود فعل إيجابية لمواجهة تأثيراتها السلبية على الاقتصاد الوطني ومحاولة تعظيم المردود الإيجابي على مستوى رفاهية الوطن والمواطن مما يتطلب التعامل مع الواقع بمعطيات الواقع لا بمعطيات مرحلة الطفرة الاقتصادية التي غيبت الوعي والرشد الاقتصادي لدى المخطط والمنفذ والمستفيد ولدى المواطن السعودي بشكل عام. ولعل من أبرز التحركات المرحلية التوجه العام لتفعيل دور القطاع الخاص وبالشكل الذي يساهم في تخفيف العبء عن القطاع العام خاصة في ظل التوسع غير المنطقي للقطاع العام خلال فترة الطفرة الاقتصادية وعجزه عن الانسحاب في المراحل اللاحقة التي شهدت انحساراً كبيراً في الإيراد العام. ولعل الهدف الرئيس من وراء هذا التوجه يتمثل في الرغبة في زيادة الفاعلية والكفاءة الإنتاجية اللازمة لتحقيق الاستغلال الأمثل للموارد الاقتصادية وبالشكل الذي يساهم في تنمية القدرة التنافسية للاقتصاد السعودي خاصة في ظل التوجه العالمي لعولمة الأنشطة الاقتصادية. ومع القناعة الكاملة من جميع أطراف القرار بأهمية هذا التوجه لمستقبل الأجيال القادمة، إلا أن الواقع يحكي العديد من الصعوبات الإجرائية التي ما زالت تعوق وتعطل هذا التوجه وتسهم في تدنيه مساهمة القطاع الخاص على الرغم من القدرة المالية الخارقة والكفاءة الإدارية العالية التي يتميز بها هذا القطاع مقارنة بما هو متحقق في الكثير من الدول المجاورة التي تشهد تنامياً في مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الإجمالي. هذه القناعة تظل مصدر قلق وطني ما لم يتم التعامل معها بإيجابية وشفافية عالية نستطيع من خلالها إدراك مسببات المشكلة والتعامل الحازم معها بما يحقق المصلحة الوطنية التي لم يعد أحد يشك في أنها تتحقق بشكل أكبر عندما يتعاظم دور القطاع الخاص في الاقتصاد الوطني، وإذا كان هذا الأمر من المسلمات الاقتصادية فإن السؤال المهم هو: لماذا لا زال القطاع الخاص يجد نفسه في بيئة استثمارية أفضل عندما يكون خارج إطار الوطن وبشكل أخص عندما يكون في إحدى الدول المجاورة؟ في اعتقادي أن الإجابة على هذا السؤال لا تحتاج إلى مهارة خاصة ولا إلى طالب نجيب، لأن رئيس مجلس الغرف التجارية الصناعية الشيخ عبدالرحمن الجريسي ومعه الكثير من رجالات القطاع الخاص قد أكدوا في مناسبات كثيرة كان آخرها اللقاء الصحفي مع الشيخ الجريسي معاناتهم من الإجراءات المتبعة ومن التعقيدات الإدارية المطبقة ومن قلة فهم دور القطاع الخاص لدى بعض المسؤولين في القطاع العام مما يتسبب في خلق العراقيل أمام فرص الاستثمار ويعطل القدرة الوطنية على تحقيق الاستغلال الأمثل للموارد المتاحة. فإذا كنّا نفتخر بكوننا نعتمد الاقتصاد الحر كمنهج لاقتصادنا الوطني، وإذا كنّا نؤمن بعد إمكانية قيام القطاع العام بدور القطاع الخاص، فلماذا لا نبادر بطرح فرص الاستثمارات ومعها كل المغريات والتسهيلات أمام القطاع الخاص حتى نحافظ على رؤوس أموالنا ونحقق معدلات النمو المنشودة التي تساعد على استيعاب الزيادة المتزايدة في معدلات النمو السكاني، ولماذا لا يزال القطاع الخاص والمستثمر الوطني يتشتت بين العديد من الجهات الحكومية للحصول على ترخيصه الاستثماري دون اعتبار لأهمية الوقت بالنسبة لرأس المال المستثمر، ولماذا لا ننظر لما هو سائد في الدول المجاورة التي تتسابق على تقديم التسهيلات وتقليص الإجراءات وإزالة العوائق أمام المستثمرين؟ أعتقد أننا نمتلك العقول القادرة على تنفيذ ما هو أفضل ونمتلك رجل الأعمال الوطني المخلص، ونمتلك من البعد الاستراتيجي ما هو أعمق، ولكن المشكلة تظل قائمة مما يعني أننا نحتاج فقط إلى زيادة إيماننا بأهمية دور القطاع الخاص ونحتاج إلى الجلوس مع رجالات القطاع الخاص ومنحهم دوراً أكبر في مجال صناعة السياسات واتخاذ القرارات الاقتصادية التي هم بها أعرف من غيرهم وعندها فقط سنكون في وضع اقتصادي أفضل فهل يتحقق ذلك؟ الله أعلم.
|