إن هذا الانفتاح الإعلامي العالمي قد أثبت مع مرور الأيَّام أنه نقمة كبيرة مع كونه نعمة كبيرة، وأنَّه بليَّة عظيمة ابتليت بها البشريَّة مع ما فيه من المنافع التي لا تخفى. فقد أصبحت الشاشات الفضائية وغير الفضائية الملوَّنة تعرض على الناس آلاف الوجوه الخشنة والناعمة، المضيئة والمظلة، المبتسمة والمتجهِّمة، تتحدَّث بما تشاء، وتلوك من الكلام ما تشاء، وتطرح من الآراء الجيدة والرديئة ما تشاء، وما الذي يمنعها من ذلك وقد فتح أمامها الفضاء، وكسرت الحواجز، واختلَّت المقاييس. آلاف المتحدثين والمتحدِّثات، ينظِّرون لمصائر الأمم، ويتحدَّثون في كل شيء سواءٌ أكان في دائرة اختصاصهم، أم خارجها، فإن كلَّ موضوع قابل للطرح عندهم، وكلَّ قضية قابلة للمناقشة، وكلَّ فكرة قابلة للانتشار، ولذلك فإنك تستمع إلى الأعاجيب، وترى الأعاجيب، وتغمض عينيك، وأنت تتساءل: إلى أين يمضي هؤلاء؟ وإلى أين تمضي المجتمعات البشرية المعاصرة. امرأة من آلاف النساء اللاتي تعرضهن الفضائيات على الناس صباح مساء، كانت تتحدَّث عن تجربتها في الإخراج المسرحي أمام مذيعة صوَّرَتْ ضيفتها بأنها عظيمة من عظماء هذا العصر، وبأنها بطلة من ابطال الأمة لأنها كسرت جميع الحواجز الاجتماعية حتى أصبحت في هذا العمل العظيم (الإخراج المسرحي) ممّن يشار إليهم بالبنان. قالت المخرجة - أسأل الله أن يزيل عن عينيها الغشاوة - : أنا استطعت أن أثبت ذاتي، وأن أؤكد شخصيتي بدخولي هذا المجال الذي ينظر إليه المجتمع العربي نظرةً مشحونةً بالرِّيبة والاحتقار، وعندما طارت بها المذيعة فرحاً، زاد إحساسُها بالذَّات فقالت: ولهذا فأنا أنادي المرأة إلى الدخول في هذه المجالات، المسرح والسينما لأنها بذلك تثبت ذاتها، وتتحدَّى المجتمع المغلق، وحينما اتصلت بها فتاة في الثانية عشرة من العمر قائلة بصوتها البريء - صان الله براءته من الدَّنس - إني أريد أن أكون مثلك، قالت: إن شاء الله يا حبيبتي تصيرين مخرجة مسرحية (قدِّ الدنيا)، وكأنَّ الدنيا ستبقى على حالها مع هذا الانحراف العالمي الخطير في مسيرة البشرية المعاصرة. سؤال مهم يقول: هل هذا المجال هو مجال إثباتٍ لذاتِ الفتاة المسلمة؟ وهل إثبات الذات موقوف على مصادمة المجتمعات الملتزمة المحتشمة؟ إلى أين يمضي بأمتنا ومجتمعاتنا هذا الفهم المعكوس؟ إشارة
صوتها الواهن يبكيه الصَّدَى والصَّدَى لم ينبجسْ عنه فَمُ |
|