ربما كانت فنون الأدب المختلفة، وخاصة فن الشعر، من أقدم وأقوى ميادين الدعاية والإعلان. وخاصة في الأمم والمجتمعات التي تقدر الكلمة، وتتأثر بسحرها وجمالها كالأمة العربية. وما المدح إلا نوع من أنواع الدعاية للممدوح، وللصفات والقيم التي يتمتع بها مثل الشجاعة والكرم والحلم والأمانة.. ولهذا يعتبر الشعر - وخاصة القديم منه - من أقوى وسائل الضبط الاجتماعي، ومن أنفذ عوامل تدعيم القيم الرفيعة، ومحاربة القيم الدنيئة، ولعل من أقدم القصائد التي فيها دعاية واضحة ونجحت تلك الدعاية في أداء الغرض الذي قيلت فيه، قصيدة الأعشى في المُحَلِّق الكندي. حيث كان للمحلق ثماني بنات لم يتقدم أحد لخطبتهن فأشارت عليه زوجه بأ، ينحر جزوره الوحيدة ويكرم بها الأعشى لعله يحظى بمدحه، ومن ثم يقبل الناس على زواج بناته. فعل الزوجُ ما أشارت به زوجه عليه، فما كان من الأعشى إلا أن نظم قصيدته العصماء التي منها:
لعمري، لقد لاحتْ عيونٌ كثيره
على ضوء نار باليفاع تحرق
تشب لمقرورين يصطليانها
وبات على النار الندى والمحلق
ترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه
كما زان متن الهندواني رونق
يداه يدا صدق: فكف مبيده
وكف - إذا ما ظن بالمال - تنفق
وألقاها في سوق عكاظ، فلما سمع الناس القصيدة التي تشيد بالملحق وكرمه وجوده، تقدموا لخطبة بناته وزوجهن جميعاً في وقت وجيز. لقد رفعت القصيدة الممدوح إلى مرتبة اجتماعية عالية، ومقام اجتماعي محترم، وكانت سبباً في إقبال الناس على الزواج من بناته، ويشبه هذه القصيدة في التأثير السلبي والدعاية المضادة قصيدة المتنبي في كافور الإخشيدي، الذي كان - كما تقول كتب التاريخ- حاكماً عادلاً وناجحاً وقوياً، ولكن الناس لا يذكرون عنه إلا تلك الصور السيئة التي وردت في دالية المتنبي. أما الموقف الثاني من الدعاية بواسطة الشعر فكان لبائع خُمُر (جَمعُ خِمار وهو رداء تتستر به النساء)، فقد كان لديه أعداد كثيرة من الخمر السوداء التي كان الإقبال على شرائها ضعيفاً لرغبة الناس في الألوان الأخرى. فشكا حاله إلى شاعر انصرف عن الشعر وأصبح عابداً متنسكاً، فما كان من ذلك الشاعر الذي غاب اسمه عني إلا أن قال بيتاً واحداً انتشر بين الناس، فأقبل النساء على شراء الخُمُرِ السوداء بأعداد كبيرة، أما البيت فهو:
قل للمليحةِ في الخمار الأسود
ماذا فعلت بناسكٍ متعبدٍ؟!!
الغريب أن خبراء الدعاية والإعلان لم يوظفوا إلى الآن الشعر في هذا الحقل الذي يتزايد يوماً بعد يوم وتتنافس فيه شركات عالمية كبرى، ويلاحق الناس في كل مكان عبر وسائل الإعلام المختلفة!! لو فعلوا ذلك لفتحوا للشعراء باباً جديداً للتكسب بالشعر!! ولربما تغيرت الأحوال المادية لبعضهم!!! ولما أصبح الأدب مهنة المعوزين والمعدمين!!