صدر مرسوم كويتي بتعيين الدكتور أنس الرشيد وزيراً للإعلام في دولة الكويت، وقد جاء قرار الاختيار وسط أجواء مملوءة بالتكهنات عن مستقبل الإعلام في الكويت بعد أن أدخلته السياسة الكويتية المحلية في صراع الاستقطابات.. فقد كان رأي التجمعات السياسية الإسلامية يدفع باتجاه الاختيار بما يتفق والمفاهيم السياسية لتلك الجمعات، مع إعلان صريح بمطاردة ما يطلق عليهم الليبراليين أو العلمانيين، الذين قادوا الإعلام الكويتي منذ الاستقلال. كما لم يهدأ الآخرون المنتمون إلى صبغة الاعتدال التقليدية الكويتية في جهودهم لإفشال الضغوط الإسلامية السياسية. المهم جاء التعيين وفجر تعليقات متعارضة، منها الإشادة بالوزير الجديد في أخلاقه وسماحته، ومنها التخوف من أداء الوزير الذي سيصرف العاجل من الأمور فقط دون الغوص في المهم، ولن يكون مبدعاً ومقتحماً بسبب ضيق الفسحة التي يتحرك فيها الوزير بسبب الضغوط والمناكفة. بينما يقول كاتب آخر إن اختيار د. أنس الرشيد ليس موفقاً، وإنه لن يزعل أحداً، وإنه محافظ إلى آخر النعوت السلبية. ويمكن لنا إبداء بعض الملاحظات: أولاً: يتمتع الخليج بتراث انفتاحي قديم شيده التواصل مع دول الجوار بثقافاتها المختلفة ورسخته الأسفار من أجل التجارة وتأسيس - عبر هذا التواصل - نهج إعلامي خليجي إخباري واقتباسي، أهم مميزاته الرحابة في استقبال الأفكار والمرونة في التعامل معها، ولم يكن الخليج طارداً إعلامياً ولم يمارس التضييق ولم يعرف ممارسة الأبواب المغلقة. ونتج عن هذا النهج سعة الأفق وانعدام الضيق من الأفكار المقتبسة، وإذا نظرنا جدياً إلى الفنون وقوائم الطعام والأغاني والأهازيج سنجد حجم الاقتباس الذي أخذه الخليج من هذا التواصل التاريخي مع الإقليم ومع سواحل أفريقيا والهند. ثانياً: يتميز الخليج في سياسته وفي مزاجه وفي إعلامه بالاعتدال، فلم تتعرف المنطقة حتى الأمس القريب، على الحدة في التعبير ولم تتعامل بأسلوب الضجر والتجاهل والتصغير، ولذلك ظل الإعلام مرتفعاً في حديثه مراعياً الذوق والأصول في أدوات التعبير وفي مفرداته.. وينطبق ذلك أيضاً على نسيج الصحافة الخليجية ومطبوعاتها، وتعليقاتها، فلا تنزل إلى مستوى الردح والتهجم، ولم تنحدر إلى التلوث. ثالثاً: لم يخضع الإعلام - حتى في السنوات الأخيرة - إلى قسر حكومي يتحكم فيه، واستمر الإعلام الخليجي في شبه استقلاليته عن الفرض الحكومي الذي سخّر الإعلام كأدوات تخدم الأنظمة وبرامجها وفلسفاتها كما نشاهدها الآن في بعض الدول العربية الاستبدادية، وكما شاهدناها في عصر الرئيسين جمال عبدالناصر والسادات وعصر البعث العراقي والسوري. وظل الإعلام الخليجي منفتحاً لخدمة قضايا العرب ومشاكلهم، وسخر جهده من أجل التعريف بهموم فلسطين وسوريا ومصر، ولم توظفه الحكومات للشأن الملحي الخليجي، وإنما انفتح (بسخاء) للتعرف على معاناة الآخرين، من أجل المشاركة في التخفيف عنها. رابعاً: كانت الكويت أكثر دول الخليج في العطاء الإعلامي لحقوق الآخرين، سواء في سياستها الإعلامية أو في مطبوعاتها، دون الخروج على التراث المعتدل والمنفتح، مع التأكيد على الاحترام للخصوصيات.. وصارت بهذا الخط حتى الغزو المشؤوم الذي ترك خللاً كبيراً في كل وجوه الحياة في الكويت بما في ذلك التراث المعتدل الذي اعتادت عليه. وبدأت التدخلات السياسية المحلية تتسلل إلى مفاهيم الإعلام المتوارثة بعد أن خرجت من تجربة الغزو المؤلمة قوة الإسلام السياسي الذي تعزز شأنه مع الهيئات والتجمعات ذات البعد الإسلاموي السياسي، وبرزت قدرته على حشد المنتمين والدفع بهم نحو الساحة الإعلامية، وتمكن هؤلاء المنتسبون بما لهم من قاعدة توسعت مساحة ونفوذاً من التأثير على قواعد الاعتدال التي بناها الموروث الخليجي منذ القدم. ونجحت قطر في تطويق المشكلة بتخصيص الإعلام، وبناء مؤسسات إعلامية لها استقلال ذاتي، يحصنها من التدخلات السياسية اليومية للجميع. ولم تستطع الكويت بناء تحصين قوي للإعلام من التسلل السياسي المحافظ الذي لا يتناغم مع الانفتاح الموروث، وجاءت الصدامات والتوترات مع تأزيم إعلامي مستمر بدأ بمسلسل التباعد بين الشيخ سعود الصباح - وزير الإعلام - والتجمعات الإسلامية السياسية وزادت حدته مع تراكم قوة المجموعة الإسلامية البرلمانية التي استطعمت طعم النجاح في ملاحقة وزراء الإعلام وفرض لائحتها على هؤلاء الوزراء. خامساً: اعتقد بأن الوزير الجديد يملك فرص النجاح في استعادة المبادرة الإعلامية وإحياء التواصل الإعلامي المنفتح والالتزام بالعهد القديم في الاعتدال لأسباب كثيرة: أولها: متانة الموروث الإعلامي المستنيرة والرحب والمتجدد.. وثانيها: التبدلات الإقليمية التي تشهدها المنطقة، بتحرير الإعلام من السطوة الرسمية والدفع نحو استقلالية الإعلام.. وثالثها: الثورة التكنولوجية التي تنفذ عبر كل ممر مهما صغر والعولمة الإعلامية.. ورابعها: الانسجام مع القواعد العالمية في الانفتاح وفي الترابط الإعلامي مع أعضاء الأسرة العالمية.. وخامساً: الإيمان بالتشابك والتداخل الإعلامي الكويتي - الخليجي - الدولي، بعد أن اقتربت هموم العالم بعلاجات موحدة للبيئة والصحة والإرهاب والمياه وكل قضايا الإنسان. وأخيراً الميل الإنساني الواضح.. ولاسميا في منطقة الخليج في رفض التطرف والحدة وتسفيه الآخرين. عناصر كثيرة تؤمن للوزير الجديد استعادة البريق الإعلامي الذي ضاع من الكويت ونحن في الانتظار.
|