الضليعون في القانون الدولي، لم يتفاجأوا بقسم الرئيس السوداني عمر حسن البشر بعدم تسليم أي مواطن سوداني كي يحاكم أمام محكمة الجزاء الدولية مثلما ذهب إليه نص قرار مجلس الأمن الدولي رقم (1591) الذي أقرّ بفرض عقوبات على السودان، تتمثل في محاكمة أشخاص سودانيين رسميين وغير رسميين، متهمين بارتكاب أعمال غير إنسانية ضد المدنيين في دارفور، وتشمل العقوبات الأخرى حظر السفر وتجميد أرصدة الذين ترد أسماؤهم في قائمة المتهمين إضافة إلى الأحكام التي تفرضها محكمة الجزاء الدولية. القرار رقم 1591 صدر بأغلبية 11 صوتاً دون معارضة إلا أن أربعة دول منها أمريكا والصيبن إضافة إلى الجزائر والبرازيل امتنعت عن التصويت، ولكلِّ هذه الدّول أسبابها.. فالصين والجزائر والبرازيل غير راضية أن تحشر محكمة الجزاء الدولية في أحداث دارفور، وأن فرض عقوبات على الدول وتجاوز أنظمتها القضائية تدخّل سافر في الشؤون الداخلية للدول. أما أمريكا فأسبابها تختلف، لأن واشنطن لا تريد أن تعزز سلطة محكمة الجزاء الدولية وجعلها مكاناً لمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، لأنها أكثر دولة متهمة في هذا الشأن، ولهذا فإن أمريكا لم تُصادق ولم تُوقع أصلاً على اتفاقية روما التي أنشئت بموجبها محكمة الجزاء الدولية.. وحتى امتناعها عن استعمال (الفيتو) لإسقاط القرار خوفاً من أن يكون سابقة لمطاردة المتهمين الدوليين، اشترطت أن تكتفي بالامتناع مقابل إضافة نص يمنع مثول أي أمريكي أمام محكمة الجزاء الدولية، وهذا ما دفع واضعي (نص القرار) إضافة (المادة السادسة) التي يستطيع أيُّ دارسٍ للقانون أن يكتشف بأنها (حشرت) حشراً في ثنايا مواد القرار الدولي. وإذا ما أخذنا هذه المادة (المادة السادسة) من القرار في السياق التشريعي للقرار نرى أنه يضعف اختصاصات محكمة الجزاء الدولية.. ويجعلها محكمة لا تصل مظلتها القضائية للأقوياء من أفراد، وهم في هذه الحالة الأمريكيون، ولا تصل أيضاً للدول التي لم تصدق على اتفاقية روما.. وهنا يأتي المخرج السوداني الذي يتيح للرئيس السوداني عمر البشير البر بقسمه، فالسودان رغم أنه وقع على الاتفاقية من بين ثلاث عشرة دولة إلا أنه لم يصدق عليها، وهذا ما يجعله غير ملزم بمرجعيتها القضائية الدولية ويمكنه الدفع بعدم اختصاص المحكمة الجزائية الدولية في النظر في القضية المرفوعة ضد مواطنين سودانيين متهمين بارتكاب فظائع في دارفور وكون السودان لم يصدق على اتفاقية المحكمة الدولية فإنه غير ملزم تجاهها بأية مسؤولية سياسية أو قانونية حسب نص النظام الأساسي للمحكمة، ولذلك فإن من حق السودان أن يرفض قرار مجلس الأمن الأخير ويرفض بالتالي تسليم أيِّ مواطنٍ سوداني. نازحو دار فور يبحثون عن الماء
|