في البداية استسمح القارئ الكريم الذي قد يجد نفسه دون أن يعلم ضمن القطيع الذي يحتاج إلى الحماية، وأعتذر لنفسي لأنني على الرغم من كوني لا أمتلك سوى أقل من أصابع اليد الواحدة من الأسهم قد أصبحت ضمن هذا القطيع الذي لا حول له ولا قوة حيال ما يدور حوله من تقلبات خطيرة جرفت كل القطيع إلى غياهب الخسائر غير المبررة. فقد أصبح مصطلح القطيع متداولاً للتعبير عن صغار المستثمرين في سوق الأسهم الذين يتلقون الخسائر المتوالية نتيجة لعمليات ضخمة ينفذها هوامير السوق بعد ان يسدرجوا هذا القطيع إلى الكعكة الوهمية كما حدث يوم الخميس الماضي عندما تساقط صغار المستثمرين حسرة وهم يشاهدون مؤشر الأسهم يهوي بلا قيود حسية أو معنوية. وإذا كنا نؤمن بجميع الحريات الاقتصادية بما فيها حرية السوق، فإننا لا نناقض أنفسنا عندما نطالب هيئة سوق المال بدعم تواجدها في السوق من خلال مراقبة ما يحدث خلف الكواليس من إشاعات يروجها كبار أو ممثلو كبار المستثمرين ومن خلال ضبط حركة متغيرات السوق بما يحقق على الأقل الحد الأدنى من الحماية المطلوبة لصغار المستثمرين. فمن غير المعقول أن ندفع المستثمر الصغير إلى الاستثمار في سوق الأسهم عنوة من خلال قلة فرص الاستثمار المتاحة أو من خلال التسهيلات المغرية التي تقدمها البنوك المحلية، ثم نضعه لقمة سائغة على مائدة كبار المستثمرين الذين يسيطرون على تحركات المؤشرات السوقية بطرق أقل ما يقال عنها أنها غير نظامية. وقد يقول قائل إن حرية السوق تتطلب ابتعاد الجهات التنظيمية عن التدخل المباشر في سوق الأسهم، وتتطلب ترك الحرية للمستثمرين لاتخاذ قراراتهم الاستثمارية بما يحقق لهم أكبر عائد ممكن، وبالتالي على المستثمر الذي لا يستطيع فهم السوق ومتغيراته واتجاهاته أن يحمي ماله ونفسه بالابتعاد عن الساحة التي يفترض ألا يبقى فيها سوى الأقوياء. ولهذا نقول بأن حرية المنافسة تتطلب شفافية عالية حتى يستطيع المستثمر الصغير الاطلاع على المعلومات المتوفرة للمستثمر الكبير وحتى يمكن للأول صناعة قراره في ضوء معلومة واضحة ودقيقة وهذا بالطبع لا يتحقق على الإطلاق في سوق الأسهم. كما أن حرية السوق والمنافسة تمنع التكتلات الخفية التي تجتمع من أجل التأثير على السعر صعوداً وهبوطاً بما يخدم مصالحهم بغض النظر عن الضحية التي لا حول لها ولا قوة وهذا ما يتحقق في سوق الأسهم بشكل كبير. وبشكل عام فإن استمرار هذه الخطورة الناتجة عن غياب الرقابة الدقيقة في سوق الأسهم ستؤدي في النهاية إلى تكدس رؤوس الأموال في جيوب الأغنياء الأقوياء وستقضي على مقدرات الضعفاء المالية التي كان بالإمكان استثمارها في مجال آخر ومعها ستزداد معدلات الفقر وأعداد الفقراء. وإذا أضفنا إلى ذلك كون معظم صغار المستثمرين قد استدانوا من البنوك أو من غيرها لتمويل استثمارهم في سوق الأسهم، فإن الخسائر المفاجئة ستؤدي بلا شك إلى عجز هؤلاء عن السداد وبالتالي تعريض المؤسسات المالية المقرضة لخسائر مباشرة وزيادة أعداد المواطنين الذين يجب على مستشفيات وسجون المملكة استيعابهم. ولتلافي ذلك نجد ان من الواجب على هيئة سوق المال أن تقوم بدورها لحماية القطيع الذي تنتظره الذئاب المفترسة وعلى الجهات الحكومية الأخرى متابعة أدوارها لتحقيق الشفافية المطلوبة التي تحول دون مخادعة المتداولين وبشكل خاص من هم في عداد القطيع. فهل يتحقق ذلك؟ أشك في ذلك.
|