* كتب - محرر الشورى: أحكم مجلس الشورى أمس الطّوق حول أعناق المختلسين من الموظفين العموميين، والمبددين أموالاً عامة للدولة، والمفرطين فيها، والمستولين عليها، والمسهلين لغيرهم الاعتداء عليها، والمتصرفين فيها بغير حق، والمستعملين سلطة وظيفية لتحقيق مصلحة أياً كانت، والذين يضرون غيرهم داخل مقار أعمالهم أو خارجها، والموظفين الذين يصادرون أموال الغير بدون نظام، والمحصلين أموالاً عامة ليست مستحقة، أو زائدة على الحق، كل هؤلاء المفسدين سيواجَهُون بعقوبات متشددة، لا نجد ضرورة لسردها، إذ نشرت أمس (الاثنين) في هذه الصحيفة بعد أن جرّم مجلس الشورى تلك الأفعال والأعمال فلماذا؟ لأنَّ المجرم يتصف بانحطاط عقلي يؤدي به لارتكاب الجريمة، مما يتطلَّب مواجهتها بأسلوب علمي، والسلوك الإجرامي ظاهرة معقدة، تجمع بين أنماط سلوكية غير متجانسة، تشكّل جريمة في نظر القانون، وتقدم تعريفاً اجتماعيا للجريمة. المجتمع السعودي لن يفتِّش بعد اليوم عن منهجية لمواجهة جرائم الأموال العامة من جهة، وإساءة استعمال السلطة من جهة أخرى، فمجلس الشورى وضع نظاماً للسلوك الإجرامي إزاء ظاهرة تبديد الأموال العامة، ومن يسيئون استعمال سلطات وظائفهم العامة، مطبقاً ما فاض به علم الإجرام من نظريات، واستقى مناهجه وأدواته من شريعة الله، مدركاً أن جوهر العلم يكمن في: بحث العلاقات القائمة بين المتغيرات، التي كلما زادت تعقَّد الطريق أمام العلم، بَيْد أن مجلس الشورى استفاد من النظريات الحديثة، وردّ الأسباب إلى أكثر من عامل أو متغيّر واحد متحركاً كان أو ساكناً. إن الدين الإسلامي الذي يؤطر علاقات مؤسسات المجتمع المدني مع المواطن، هو دعوة إلى مكارم الأخلاق، وتبديد الأموال العامة، ومن ثم سوء استخدام السلطة، عمل لا يستهدف الأغراض التي يتوخاها منهج التربية الإسلامية، المعتمد على غرس القيم الفاضلة في السلوك الإنساني، ومن المتفق عليه أن أمانة الإنسان على المال هي في موازاة أمانته على نفسه، وجوارحه، وعمره، وولده، والإسلام حدد الأسس والقواعد التي يجب على الإنسان اتباعها عند التعامل مع غيره، ومن ثم فأداء أمانة المال والوظيفة، إجبارية على الفرد لما فيها من حفظ الحقوق، وبفقدان الأمانة بين الناس تضطرب الحياة الاجتماعية، ويعم الصراع والفوضى. ولعل الأمانة تقتضي خفض الجناح لمجلس الشورى، فبإقراره نظام (مكافحة الاعتداء على المال العام وإساءة استخدام السلطة) حفظ المجلس الحقوق لأصحابها، واعترف بها علانية، فهذا النظام يكوِّن مناخاً خصباً للقضاء على جرائم تبديد الأموال العامة وإساءة استخدام السلطة، وتنظيم أمور حياة الناس بتحسين سلوكهم وتقويمه، وغرس القيم الفاضلة في المجتمع السعودي، لمنع ومكافحة الفساد والجرائم الناجمة عن التعامل اليومي بين الناس من جهة، وبينهم وبين الدولة من جهة أخرى.
|