هل التواجد الإعلامي المتكرر في وسائل الإعلام يفضي إلى حالة شعورية عجيبة بتفخم الأنا؟ ويرصف الجدران بمرايا مضللة يفتقد معها صاحبها الرؤيا الموضوعية للزمان والمكان ويتورط بذات تتورم حتى يحسب شحماً من كان شحمه ورماً!! وهنا أصر في بداية السؤال على كلمة تواجد لأنها بالتحديد تصف الحالة الإعلامية فالتواجد قطعاً وشغل مقعد في المشهد الإعلامي بالتأكيد لا يعني الحضور والفاعلية والقدرة على ملاعبة أسنة الأضواء بمهارة وحذق. ولكن ليس هذا بالتحديد ما أود الحديث عنه، ولكن ما أصادفه بين الفينة والأخرى من بعض معتزلي الكتابة أو الخارجين من بلاطها منكسي الإعلام بأحلام مطفأة.. يعزفون نغمة إحباط ويأس مرتفعة بعد جولة سريعة في المضمار، وبيانهم الختامي يعلن.. (كتبنا.. وسودنا صفحات عديدة.. ولكن ما من فائدة فقررنا أن ننسحب ذاك الانسحاب المفعم بالكبرياء وكما يغادر الفوارس ساحة الوغى! لنرقب المشهد عن بعد). وبالطبع الرؤيا السابقة بما فيها من حس مثالي يقترب من الطفولية، التي تشعر بأن هذا العالم كان طوال الوقت ينتظر تلك الخطة الخارقة الsuper التي ستحل كل مشاكل البشرية منذ الخليقة التي سيقدمها الكاتب إلى القراء بين سطوره، وأن تلك السطور هي الترياق الذي سيقضي على كل سموم العالم وآثامه وشروره، وبالتالي يجب على الجميع أن يرضخ وينصاع.. وبما أن العالم على النادر يتوقف ويصغي، وعلى الغالب تكون مساحة التمعن في القول محدودة وشاحبة، تغرق في مساحة الضجيج الكوني ولا شيء يحدث ولن يحدث شيء في الحاضر القريب. الأضواء أحياناً تجعل الظل كبيراً ومتعدداً فيكون صاحبه هو أول مصدق لأكذوبته، وهو الذي يتخيل أن القلم هو العصا السحرية التي ستجلو غبار حلمه وتهديه ناصعاً إلى الواقع. ولا يدري عن حكاية القطرة التي تنزف روحها فوق صخرة.. وتظل مستبسلة عبر الحقب حتى ترضخ الصخرة فتنشق.. ولم يسمعوا بتلك الشهقة القوية من الإصرار التي تكون لنبتة وجلة وخائفة مذعورة تحدت هيبة الرمال والقحط والجفاف ولم تتوان يوما عن مهمتها.. وعن الجياد النجيبة التي تظل حتى الأشواط الأخيرة. لكن الذي يتوقع تغييراً واستجابة.. وإذعانا.. وأبواباً مشرعة.. لا يعي مفارقة الصيروية والتبدل، وحده تيار الزمن الهادر الذي يمتلك سطوة القرار ومفتاح التغيير.. فقط على الكاتب أن يؤمن بحماقة العناد وترياق الصبر أمام أعتى الأبواب وأكثرها منعة.
|