أنظر وكلي لهفة إلى السماء وهي ممتلئة بالغيوم الداكنة التي تنذر بالمطر.. ولا مطر.. السماء تنادي وتنذر البشر.. ترعد، تبرق، وينزل المطر ينهمر بغزارة.. متدفقاً فوق الأرصفة والشوارع.. تمتليء الأنفاق والسدود وتتعطل لغة الكلام، ويتعطل السير وكلنا يتجاهل نداء المطر.. نداء الماء.. صرخات الاستغاثة التي تملأ الإجازة.. المطر يصرخ.. وحبات الماء تستغيث أن أغيثوني من إسرافكم.. ورشدوني للأيام الصعبة والقاسية.. وعلّموا أولادكم الترشيد وعدم الإهدار.. هكذا هو نداء الماء.. ومع ذلك نتجاهل هذا النداء بمشاعر غامضة خرساء. والجميع يعلم أن الماء قد تحول في السنوات الأخيرة إلى قضية تشغل دول العالم بأسرة، وكون قضية الماء بالغة التأثير في حياة الشعوب واقتصادها فأصبحت مادة نقاش، يقرأوها السياسيون والخفر ورجال الأعمال والمحللون كل من زاويته الخاصة، ويضع للجانب الذي يراه منها العنوان والحل المناسبين.. وتتراوح هذه العناوين ما بين اتجاه العالم نحو شح في الماء، والتحذير من اندلاع حروب بسببه، والماء لا يقدر بثمن، ولأنه لا يقدر بثمن فمن الطبيعي أن يكون تكون قضية الماء أكبر وأهم قضية في البلدان التي تفتقر إليه. فالماء شرط الحياة، وهو أثمن ما نملك ومع ذلك فقد أسيئت إدارته عبر التاريخ، وإن الهدر الكبير في الاستخدام البشري المفرط له ينجم عن رفض تصنيف الماء مورداً اقتصادياً يحكمه قانون العرض والطلب. وجميعنا يعرف أن الدولة - أيدها الله - تتكلف المليارات في سبيل تحلية المياه وتنقيتها وبناء السدود والشبكات لإيصالها إلى المواطن والمقيم وللأسف فالمواطن والمقيم لا يهتم بهذه الثروة العظيمة التي هي أساس الحياة، والإهدار أصبح عادة بعيدة عن المسؤولية والترشيد، لذا أنادي وأناشد من منبر (جريدة الجزيرة) جميع المواطنين والمقيمين بضرورة الترشيد امتثالاً لقوله تعالى: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) الآية (9) سورة الأعلى، وأخص في هذا المقام المعلمين والطلاب من الجنسين في المدارس.. (فالماء) معرض للنضوب والملوحة، لذا أناشدكم ألا تسرفوا في استخدام الماء أثناء الوضوء والغسيل، فهناك الكثير من الطلاب يتركون صنابير الماء مفتوحة بعد استخدامها لأي غرض من الأغراض، وهذا (إهدار جائر) للماء.. لذلك نقترح بضرورة استخدام الصنابير التي تغلق مباشرة بعد الاستخدام لنضمن عدم تسرب المياه أغلى ثروة في البلاد.. وأرجو ألا ينسى المعلمون والطلاب من الجنسين أن عصرنا هو (عصر الماء) وأن كل الدلائل تشير إلى أن الحروب القادمة بسبب الماء، فالماء أهم من الهاتف والكهرباء وبسببه جعل الله كل شيء حي، وهو مورد حيوي يختلف عن باقي الموارد، لأن جميع أوقاتنا تحتاج (للماء) الشرب, الاغتسال، الضوء، ري المزروعات، التنظيف، لذلك لا بد من ترشيد هذه النعمة العظيمة لتبقى وتستمر ولا بد أن أوضح أن انخفاض الاستهلاك المائي في المدارس والمنازل على سلوك المستهلك، لذا لا بد من التوعية والوعي في الاستهلاك المائي من منطلق أن (توقي السلامة خير من الوقوع في الندم) وعلينا أن نطبق المبدأ الوقائي وأن نرشد ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، لذلك أنادي بضرورة إقامة ندوات ومحاضرات وتوجيه في النشاط اللا صفي للطلاب والطالبات وفي برامج الإذاعة الصباحية بالحث على ضرورة ترشيد استخدام الماء ومعرفة قدر ومكانة هذه النعمة العظيمة والحفاظ عليها، وإقامة معارض تحتوي على لوحات إرشادية عن الماء وأهميته وأهمية الترشيد وكذلك استغلال حصص الرسم في التعبير عن كيفية استخدام الماء وترشيده وإعطاء جائزة رمزية لأفضل رسم في هذا المجال. أعزائي المعلمين.. إن ترشيد استخدام الماء يتم بزيادة الوعي لجميع مستخدمي المياه، ويعتبر الطلاب أكبر شريحة تستخدم الماء سواء في المدرسة أو المنزل، لذلك لا بد من تعريفهم بأهمية المياه وضرورة المحافظة عليها ويتم تنفيذ هذه الإستراتيجية وفق خطط متلاحقة بالإضافة إلى الخطط الوطنية عن طريق جميع وسائل الإعلام وتشجيع استخدام كل الوسائل الهادفة إلى ترشيد استهلاك المياه. والمياه مورد حيوي ونادر ويهم جميع فئات المجتمع من مستخدم وغير مستخدم، على بند الأجور أو بند الرواتب، في ديوان الخدمة المدنية أو القطاع الخاص، في المدرسة في المنزل، في المسجد، في المزرعة، في المجمعات التجارية والصحية والثقافية والاجتماعية وحتى المتسببين من الناس وليس كذلك فحسب، بل للأجيال القادمة!! فمملكتنا الغالية تفتقر إلى الأنهار والبحيرات إضافة إلى أن أمطارها قليلة ومتقطعة وتعاني من ازدياد الطلب على الماء للأغراض البلدية والصناعية والزراعية والمنزلية عاماً بعد عام في ظل الازدياد السكاني الكبير ومحدودية الموارد المائية الجوفية. لذلك جاءت الموافقة الكريمة لخادم الحرمين الشريفين بالاحتفاء باليوم العالمي للمياه في (22) مارس من كل عام، والذي يهدف إلى إبراز أهمية الماء على مختلف مستويات الدولة والحث على ترشيد استخدامها في جميع وسائل الإعلام، كما وافق أيده الله على عقد ندوة المياه كل ثلاث سنوات بحيث يكون محورها (الترشيد) وتخصيص جائزة مالية تمنح لصاحب أفضل بحث يقدم عن ترشيد المياه. إخوتي المعلمين.. أبنائي الطلاب.. لذا لا بد من الترشيد والعمل به والتذكير إجلالاً لقوله تعالى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ) الآية (21) سورة الغاشية، والماء نعمة كبيرة قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ) الآية (10) سورة النحل، ولا بد أن نشكر الله على هذه النعمة العظيمة والمحافظة عليها والتذكير بعدم هدرها وتعريف النشء بأن الإسراف ينافي شكر الله على نعمه، ويعرضنا لغضب الله وعقابه، والله توعد من عصاه في جملة آيات الوعيد بأن يذهب الماء أو يجعله أجاجاً لا يصلح للشرب، وهذا من أشد أنواع العذاب لمن تدبره بقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) الآية (18) سورة المؤمنون. ويقول سبحانه وتعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ*أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ*لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) الآيات (68 إلى 70) سورة الواقعة. فعلينا جميعاً أن نتعاون على البر والتقوى في كل الشؤون ومن ذلك شأن المياه والمحافظة عليها والاقتصاد في استعمالها.
للتواصل تيلفاكس: 012317743 ص. ب 40799 - الرياض 11511 |