Thursday 28th April,200511900العددالخميس 19 ,ربيع الاول 1426

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

انت في"مقـالات"

المرأة وهيئة كبار العلماءالمرأة وهيئة كبار العلماء
د. فوزية عبدالله أبو خالد

لا يمكن لأيِّ كاتبة أو كاتب تشغلهما القضايا العامة ويهمهما أمر إقرار العدل بين أفراد المجتمع نساءً ورجالاً، بما أوجبه الشرع لكل منهم من حقوق وواجبات في سبيل إعمار هذه الأرض، وإرساء علاقات اجتماعية تقوم على أساس من المساواة والتواد والسلام، وتضمن التفاعل الاجتماعي السلمي الحضاري، إلاّ أن يتوقف بالخبر الذي شغل وسائل الإعلام الداخلية وأثار بشكل أكبر ضجّة حوارية حوله في الإعلام الخارجي والعربي منه خاصة .. فالرأي الفقهي الذي صدر عن هيئة كبار العلماء بالمملكة الذي عني بإنصاف المواطنة السعودية من سلطة التقاليد والعادات عندما لا يعود بعضها قادراً على الاستجابة لمستجدات المجتمع، وعندما يصير بعضها عائقاً من عوائق تلبية الحاجات الاجتماعية الجديدة للأجيال، جاء بمثابة رد اعتبار، ليس للمرأة المسلمة بالمجتمع السعودي وحسب، ولكنه جاء أيضاً بمثابة إعادة رأب للُّحمة الاجتماعية بين المجتمع وبين علمائه، من خلال ما أظهره ذلك الرأي من اهتمام هيئة كبار العلماء بالشجون والشئون اليومية التي تشغل بال المواطن والمواطنة، والعمل على حل الإشكاليات الاجتماعية التي قد تنجم عن تراكم تلك الشئون والشجون، إذا لا سمح الله تُركت دون معالجة، أو ترك أمر التعامل معها دون ضوابط شرعية، ودون إجراءات جزائية، ودون تقنين يحتكم إليه الجميع بما قد يسمح، لا سمح الله، مرة أخرى بأن يجحف طرف في حق الآخر من الأطراف المعنيّة فيها أو بها.
لقد حمل ذلك الرأي موقفاً صريحاً بأنّ دلالة الأبوّة أو الأخوّة، ودلالة العلاقات القرابية بمجتمعنا، والدالة الاجتماعية التي يمارسها الرجال على النساء، لا تعني ولا يجب أن تعني، أن يعول الرجال على النساء أو يغمط أحدهما الآخر حقوقه الشرعية والوطنية، صحيح أنّنا مجتمع يحترم علاقات القرابة، وصحيح أنّنا مجتمع تشكِّل البنية القرابية جزءاً من لُحمة تركيبته الاجتماعية مما نظر له ابن خلدون قبل عدة قرون، ومما لا يزال يلعب دوراً حيوياً وفاعلاً في تشكيل الرابطة الاجتماعية، وفي تحديد طبيعة النسق الثقافي، بتعبير د. عبدالله الغذامي، المستمد من الرؤية المارتينية في دراسات علم الاجتماع وكذلك في تعريف مرجعياته الأخلاقية والضبطية، غير أنّ هذه الدلالات الاجتماعية للنظام القرابي لا تعطي ولا يجب أن تعطي الرجال حق حرمان النساء من حقوقهن الإنسانية التي كفلها لهن الشرع. هذا يمثل أنّها لا تعني أن تكون تلك العلاقات القرابية صورة من صور وصاية الرجال على النساء دون وجه حق وأحياناً وإن كانوا أصغر سناً وأقل خبرة حياتية أو أقل تأهيلاً معرفياً من النساء أو كانت النساء هنّ من يتكفلن بالإعالة المالية لهم ولأسرهم.
وأرى أنّ في قرار هيئة كبار العلماء برفع الوصاية القاصرة عن المرأة الآهل من قِبل رجل قد يكون قاصر النظر أو قاصراً معرفياً في الأحكام الفقهية أو في الحقوق الشرعية التي قد تخص الابنة أو الأخت، تأسيساً على نهج سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث ورد في السُّنّة الشريفة عن المرأة التي جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شاكية، لما روى عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إنّ أبي زوّجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته قال فجعل الأمر إليها، فقالت أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن يعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء)، رواه أحمد والنسائي (عن حقوق وقضايا المرأة في عالمنا المعاصر للمحامي عبدالله بن محفوظ ص151، عن كتاب المقنع في فقه السُّنَّة أحمد بن حنبل لموفق الدين عبدالله بن قدامة ص29) .. فتلك المرأة وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وبرأيه الذي لا ينطق فيه عن الهوى، أوضحت للنساء والرجال معاً ليس في عصرها فقط، بل للعصور كافة رفع الوصاية القرابية عن رقاب النساء عندما يتعلق الموضوع بأمر مصيري مثل أمر الزواج حتى وإن كانت تلك الوصاية تأتي من الأب أو الأخ. فكيف الأمر لو كان ذلك القريب عاضلاً، أي معطلاً، لحق شرعي من حقوق المرأة الذي يقول فيه الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ}.
وإذا كان العضل الذي أبطله الإسلام، وقد كان سلوكاً مقبولاً من سلوك دالة قرابة النَّسب أو أواصر الدم ما قبل الرسالة المحمدية، فإنّ الحجر، وهو أيضاً أحد أشكال التحكم في مصائر الحرائر بدالة النظم القرابية، كأن تحجر الأنثى وهي أحياناً بعد طفلة في المهد أو في مرتع الطفولة لابن العم أو الخال أو ما إليه، فيه تعطيل لحق شرعي آخر من الحقوق الشرعية للمرأة، وهو حق اختيار شريك مستقبلها متمثلاً في حق الرفض أو القبول. وفي هذا لا بأس من التذكير بما هو معروف من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن أبي سلمة رضي الله عنه (لا تنكح الأيم حتى تُستأمر ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن قالوا يا رسول الله وكيف إذنها قال أن تسكت). فكيف تُستأمر أو تُستأذن أو حتى تُستشار النساء إذا لم يجر إيقاف تلك الوصاية القرابية التي تُمارس أسلوب الحجر في تزويج المرأة بدون مشورتها وباستبعادها من حيز حيازة الحق في مثل هذا القرار المصيري؟
وإذا كنّا نثمِّن أشد التثمين هذا الموقف البصير من قِبل هيئة كبار العلماء في شد رباط لُحمة المجتمع بشد أزر المرأة في قضاياها العادلة، بما يجنب مجتمعنا ويلات الصراع بين النساء والرجال التي سادت بعض المجتمعات القريبة والبعيدة عنا بسبب عدم الإنصاف بين النساء والرجال، فإنّنا نرجو الله عز وجل أن يوفقهم في عدم التوقف عن العمل عند هذا الحد الذي هو بحد ذاته إنجاز، وأن يتفضلوا بالعمل مع توسيع دائرة المشاركة في العمل لتشمل المزيد من المؤهلين والمؤهلات في المجال الفقهي والاجتماعي وغيره من حقوق الاختصاص المعني مباشرة بهذا الحقل الحساس والحيوي، وذلك لإيجاد الضمانات القانونية والأطر التنفيذية التي تمكن المرأة من جميع الحقوق الشرعية التي أقرها لها التشريع السماوي. واقتراحي المحدد في هذا المجال وهو ما نادى به بعض المعنيين من العلماء بشئون القانون والعدل والقضاء خاصة ونحن بصدد إيجاد محاكم خاصة تتفرغ للشئون الأسرية، هو أن توضع وثيقة بكافة الحقوق الشرعية للمرأة وللأسرة وبالأحكام والجزاءات المتعلقة بها. وفي هذا فإنني أضم صوتي لصوت أولئك الأفاضل ومنهم الدكتور يوسف الجبر الذي يستند في رأيه ورؤيته على تجربة ميدانية في حقل القضاء بالإضافة إلى معرفته الفقهية والعلمية، بوجوب وجود تدوين تقنيني للحقوق الشرعية وأحكامها وجزاءاتها في بنود تيسر الاحتكام بها وإليها، كما توفر المادة التي يمكن أن يستند إليها في نشر الوعي الحقوقي والشرعي بالمجتمع. والاقتراح هنا وإن كان يتصل بما يخص المرأة وما يخص الأسرة، فإنّنا بحاجة إليه في المناحي الأخرى من مختلف قطاعات المجتمع .. هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 


[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved