إن الدعوة إلى التكامل بين دول جزيرة العرب في العصر الحديث دعوة قديمة دعا إليها الكثير من أبنائها الغيورين في المملكة واليمن، ورائدها الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - الذي وحّد معظم أرضها تحت راية لا إله إلا الله. وقد أثبتت أحداث التاريخ أن ما يحدث في المملكة له صداه وأثره في اليمن، وما يحدث في اليمن يكون كذلك.. فعندما نشبت فتنة الخارجين على الملك عبدالعزيز سنة 1351هـ يتزعمها حامد بن رفاده ابتغاء تمزيق الوحدة التي أرسى قواعدها الملك عبدالعزيز آل سعود في جزيرة العرب، كان لها صداها في أنحاء اليمن بما فيها حضرموت بين المفكرين والدعاة الإسلاميين من ذوي الاتجاه السلفي المستنير والأدباء الشباب، الذين كانوا يتطلعون بالإعجاب والتقديم لما أنجزه الملك عبدالعزيز، وكان الشاعر الكبير علي أحمد باكثير يمثل بصوته الجهير هذه الطليعة فنظم قصيدة في 26 - 3 - 1351هـ بعنوان (يا من لليل العرب طال) يستنكر فيها خروج ابن رفاده وجماعته على الملك عبدالعزيز بعدما حققه من إنجاز عظيم وصفه بقوله:
عبدالعزيز الفارس المغوار والملك المظفر
جئت (الحجاز) فصنته ممن يعبث به ويفجر
وأقمت فيه الدين من أوهام سطرها مؤجر
فبدا هدى المختار وضاءً كنور البدر أزهر
ثم يحذر باكثير الملك عبدالعزيز من أعداء السلام وأعداء الوحدة في جزيرة العرب، ويدعوه إلى الاستمرار في التفاهم مع إمام اليمن يحيى حميد الدين لالتئام الشمل فيقول:
إن الجزيرة من أولاء القوم في خطرٍ مُقرر
فامدد يديك إلى (الإمام) فباتحادكما تُحرر
لا سور غير الاتحاد به جزيرتنا تُسوَّر
فكلاكما الشهم الهمام كلاكما الفطن المنوَّر
ثم يعود ويؤكد على المعنى نفسه، وهو حتمية التكامل بين هذين الوطنين؛ فكل منهما عمق للآخر، يقول باكثير من أعماق قلبه:
لا تتركا فرص الزمان تضيع إن الوقت جوهر
فتضامنا وأنا الكفيل بأن سؤددنا سيُنشر
فخر العروبة أنتما إن يبق للعربي مفخر
مني السلام عليكما، وتحية الرحمن أعطر
ولكن الإمام يحيى، كما هو معروف، خيّب أمل باكثير وأمل المثقفين اليمنيين وصعَّد الأحداث حتى أدت إلى تشعب الخلاف الذي انتهى إلى ما انتهى إليه، وكان موقف الكثير من المثقفين اليمنيين في صنعاء وعدن وحضرموت مؤيداً لموقف الملك عبدالعزيز، وهو ما كشفته لي الرسائل المتبادلة آنذاك بين علي أحمد باكثير ومحمد علي لقمان من أعلام الأدب والفكر في عدن آنذاك وصاحب أول مؤسسة صحفية هناك. الذي يهمنا من هذا كله الوقوف عند تاريخ الوعي المبكر بأهمية التكامل بين هذين الوطنين، وأن ما يحدث الآن من تعاون ليس جديداً وإنما هو ثمرة لجهود بذلت عبر عهود متعاقبة، فلا عجب أن نرى هذا التعاون والتكامل يمتد إلى التعليم؛ لأنه أساس الوعي، فزيارة وفد من الجامعات السعودية (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وجامعة الملك سعود وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن) للجامعات اليمنية في صنعاء وعدن وحضرموت في ربيع الآخر 1425هـ الموافق مايو 2004م تُعَدّ خطوة للتمكين لهذا الوعي بما أعقب هذه الزيارة من اتفاقات تنسيق حول المناهج والندوات والابتعاث العلمي وتبادل الأساتذة والإشراف على الرسائل الأكاديمية وغيرها، وأعقب ذلك اسبوع الجامعات السعودية في اليمن حيث توجه وفد كبير من أساتذة الجامعات السعودية برئاسة وزير التعليم العالي د. خالد العنقري إلى اليمن، وأمضى أسبوعاً أكاديمياً واحتفالياً بين الجامعات اليمنية في الفترة من 13 - 19 - 12 - 2004م، وقد أثمرت هذه اللقاءات المزيد من الترابط والتكامل الأكاديمي في كل المجالات التعليمية بين الوطنين الشقيقين. ووصل هذا التواصل إلى أبعاد أخرى، حيث زار حضرموت وفد من الجمعية السعودية للعلوم والعمران برئاسة سمو الأمير د. خالد بن عبدالله بن مقرن آل سعود بدعوة من جامعة حضرموت للعلوم والتكنولوجيا والمهندس الشيخ عبدالله أحمد بقشان، وسافر الوفد إلى أعماق حضرموت التاريخية حيث شاهد فن العمارة الطينية القائمة منذ مئات السنين في مدن سبئام وتريم وسيقون والهجرين، وأعجب بمباني مدينة سبئام الطينية العالية التي تكاد تناطح السحاب، واهتم الوفد بدراسة سر صمودها وتماسكها عبر القرون. وبالمثل أرسلت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض اثنين من أساتذتها المختصين وهما د. علي شويش ود. مساعد الطيار لزيارة مكتبة المخطوطات بمدينة تريم بحضرموت لدراستها وتقييم حالتها وتقديم العون فيما تحتاجه من ترميم وحفظ أو دراسة أو بحث. وعلى مستوى التعاون الطبي والصحي عموماً بين الوطنين الشقيقين توالت البعثات الطبية السعودية إلى كافة أنحاء اليمن الرسمية منها والخيرية التطوعية، حيث تقام المخيمات الطبية السعودية التخصصية لعدة أيام وتجرى فيها مختلف العمليات الجراحية التي لا تتوافر لإجرائها الكفاءة الطبية البشرية أو الجاهزية التقنية في اليمن، وقد تحركت لتلبية هذا الواجب الأخوي والإسلامي وحق الجوار العديد من الجمعيات والمؤسسات الخيرية وكبار المحسنين من الأفراد الذين ينفقون على تكلفة السفر والإقامة، أما الطاقم الطبي فهم من المتطوعين بوقتهم وعلمهم لوجه الله تعالى. وبهذا كله.. بجسور التعاون العلمي والتعليمي والثقافي والصحي يكون الاهتمام بإعمار الإنسان أساساً للاهتمام بإعمار الأرض، فما اندفاع الكثير من المستثمرين السعوديين سواء الذين هم من أصول حضرمية يمنية أو من أصول سعودية، إلا خطوة تاريخية نحو تحقيق فكرة التكامل بين أكبر وطنين في جزيرة العرب، وهي استراتيجية أقرتها كافة الاتفاقات بين المملكة واليمن وأكدتها على أرض الواقع كافة محاور التحرك الاقتصادي والاستثماري والتبادل التجاري بين الوطنين. وهكذا، فالأمر لم يعد بالنسبة للمستثمرين السعوديين من ذوي الأصول الحضرمية مسألة وفاء للوطن الذي أنجبهم، ولا هو بالنسبة للمستثمرين السعوديين الآخرين أداء لحق الجوار والرحم والقربى، وإنما اجتمعت هذه العوامل كلها في أهاب الاستراتيجية الأساسية وهي استراتيجية الاهتمام بوحدة الهدف والاهتمام بوحدة المصير في جزيرة العرب، وما عدا ذلك فما هو إلا وسائل لمشروعية هذه الاستراتيجية التي تبدأ انطلاقتها من مقاومة الجهل والفقر والمرض إلى مقاومة الإرهاب، وفي هذه الاستراتيجية تطبيق فعلي للمبادئ الإسلامية السامية في رعاية حق الأخوة (الأقربون أولى بالمعروف) وحق الجوار العظيم حيث ظل جبريل يوصي نبي هذه الأمة بالجار حتى ظن أنه سيورثه، وحق الإيمان الذي يشد فيه المؤمنون بعضهم بعضاً كالبنيان المرصوص، فلا يتمكن عدو من اختراق صفوف أحدهم لينال من أخيه، وهذا ما يحدث الآن، ويحقق بالتعاون الصادق والمخلص والتكامل الأمني بين الوطنين الشقيقين. فهل من عجب بعد هذا كله أن تنطلق أفواج من أفذاذ الرجال في هذا الوطن علماء وأطباء ومهندسين ورجال أعمال ورجال دولة وأساتذة جامعات على متن طائرات عبدالله أحمد بقشان الخاصة إلى حضرموت ومناطق أخرى في اليمن للتعرف بالمشاهدة على ذلك الجزء المهم من جزيرة العرب واستكشاف عجائبه وتاريخه والمشاركة في استخراج خيراته، واستثمار المال في صناعة الرجال وإعمار الأرض وتدوير رأس المال في كل ما يعود بالنفع لأبناء الجزيرة جميعاً على كافة المستويات. وللحديث بقية.