عن دار المريخ للنشر والتوزيع صدر كتاب (ما بعد الجهاد: أمريكا والنضال من أجل الديمقراطية الإسلامية) لمؤلفه أ. د. نوم فيلدمان، وترجمة د. عبد الرحمن عبد الله الشيخ. هذا الكتاب ربما يمثل وجهة النظر الأمريكية وتوجهها نحو الشرق الإسلامي الكبير فيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر؛ للمكانة التي يحتلها مؤلِّفه ولقربه من توجهات هذا الفكر؛ حيث هو الآن مستشار أول للقانون الدستوري للسلطات في العراق، واستمراره في عمله هذا بوصفه مستشاراً مستقلاً للمشاركين في وضع الدستور العراقي، ولهذا يعتبر الراحل (إدوارد سعيد) اسم مؤلف هذا الكتاب البروفسور فيلدمان (عنواناً) على نوع التخطيط الذي يقوم به الأمريكيون للعراق. وهذا الكتاب يختلف عن الطرح الفكري السائد الذي مثَّلته أفكار مفكِّرين وكتَّاب مهمين أمثال: برنارد لويس، فوكوياما، صموئيل هنتنجتون، بل وشارلز لندهوم صاحب كتاب (الشرق الأوسط الكبير) الذي لم يحظَ بالنقاش على الرغم من أهميته؛ حيث دلل لأول مرة ومنذ وقت مبكر على فكرة (الشرق الأوسط الكبير) في عام 1988م. ويحتل مؤلف هذا الكتاب مكانة مرموقة بين السياسيين والأكاديميين في الولايات المتحدة رغم حداثة سنه، فهو ذو الثالثة أو الرابعة والثلاثين سنة، ويعمل أستاذاً للقانون الدستوري بجامعة نيويورك، وتنقَّل أثناء دراسته بين أعرق الجامعات: هرافارد، وييل، وأكسفورد التي حصل منها على درجة الدكتوراه في الفكر الإسلامي. وعلى الجانب السياسي فهو لا ينتمي إلى تيار المحافظين الجدد، وهناك في أمريكا مَن يرى أنه معتدل فيما يتعلق برؤيته للإسلام، فلم يتخذ موقفاً متطرفاً من الإسلام، وكان هذا الاتجاه واضحاً في كتابه هذا، لكنه ظل وفياً للتوجه الأمريكي السياسي العام نحو المنطقة الذي يتفق عليه الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء. ويذكر الناشر في مقدمته للكتاب: حينما ظهر هذا الكتاب، في طبعته الإنجليزية الأولى في ربيع عام 2003م، أحدث ردود فعل ومناقشات بين كبار الكتَّاب والمفكرين؛ لعدة اعتبارات، منها: - أثار استغرابنا لأول وهلة أن ناشر كتاب فيلدمان Farrar Straus And Giroux، وهو من كبار الناشرين الأمريكيين المعروفين، لم يضع اللغة العربية من بين اللغات التي طُرح الكتاب للترجمة إليها ومنح حقوق الطبع إليها Copyright في موقعه على الإنترنت، مع أن الكتاب وموضوعه أولى بالترجمة إلى اللغة العربية أكثر من غيرها؛ لأنه يتحدث عن شأن العرب والإسلام السياسي، وهذا واحد من المحفزات التي جعلتنا نطلب الحصول على حق الترجمة إلى اللغة العربية، ولا بدَّ أن المؤلف كان يشاركنا الرأي حينما كتبنا إليه طالبين سعيه لدى ناشره لحثِّه على الموافقة على طلبنا، بل إن البروفيسور فيلدمان (المؤلف) مشكوراً قد تحمس لطلبنا بكتابة مقدمة لهذه الطبعة العربية، وطلب شخصياً مراجعة الترجمة، وهو الذي درس العربية منذ أن كان عمره خمسة عشر عاماً، وأشفع ذلك بشهادته أن هذه الترجمة العربية ترجمة حقيقية لأفكاره التي كتبها أصلاً باللغة الإنجليزية. أما الأسباب التي دفعتنا لإصدار هذا الكتاب باللغة العربية، فمنها: - أننا في العالمين العربي والإسلامي المعنيون بما ورد في هذا الكتاب من أفكار، فلا بدَّ أن نطلع عليها. ولا يعني إصدارنا له باللغة العربية تبنِّي أفكاره، أو أنها تعبِّر عن رأينا كناشرين، وإنما تعبِّر بالدرجة الأولى عن رأي مؤلفها، كما نعتقد أنها ليست بالضرورة تعبيراً عن رأي ناشرها الأصلي، وهذه إحدى حقائق النشر العلمي المحايد. ونرجو أن يتسع صدر المؤلف للتعليقات التي همشنا بها الأصل لدواعٍ نعتقد أنه يتفهمها، لإضافة معلومة أو إضاءة فكرة، وهي ليست بالتأكيد مصادرة لرأيه وفكره اللذين أبقيناهما كما هما لتحقيق أمانة نقل النص. - وبعد، فهذا كتاب قد يحبه قارئه العربي، وقد يختلف معه، وهذه إحدى ميزات هذا الكتاب، مما يعني أنه يناقش أفكاراً ويتطلب أن نناقشها، نتفق معها أو مع بعضها، ونعترض على بعضها. وقد فعلنا بعضاً من ذلك في هوامش متفرقة، مما نرى أنه يجب التعليق عليه، وقد يشفع لنا رحابة صدر المؤلف، وهو الأكاديمي الحقيقي الذي أخلص لفكره في هذا الكتاب. ولا بدَّ من الإيضاح أن تلك الهوامش التي علقنا بها على متن الكتاب لم تكن من أجل تمرير نشر هذا الكتاب؛ فهو متداول على نطاق واسع في أصله الإنجليزي. إنه في طبعته العربية هذه لم يخضع لمشرط رقيب رسمي، ولم تُصادر أفكاره، بل حرصنا على أن تصل إلى قارئها العربي كما هي. ونعتقد أن صدوره باللغة العربية إحدى علامات التغيير في حياتنا السياسية، بل هو من الأمارات المهمة على التوجُّه الحضاري نحو ديمقراطية الفكر التي ما زال هناك رأي غربي يرى أنها غير موجودة في عالمنا العربي وبلدانه.
|