ضمن إصدارات دارة الملك عبد العزيز صدر مؤخراً كتاب: (دبلوماسية الصداقة: إيطاليا والمملكة العربية السعودية (1932-1942) من تأليف: ماتيو بيتسيغالو وترجمة: محمد عشماوي عثمان. وقد تخصصت دارة الملك عبد العزيز منذ إنشائها في خدمة تاريخ المملكة العربية السعودية والجزيرة العربية بصفة عامة بالدراسات والنشر والترجمة. ومن الكتب التي تخدم هذا التاريخ المجيد هذا الكتاب المترجم من اللغة الإيطالية، الذي يتناول بالحديث العلاقات السعودية الإيطالية خلال عشر سنوات، بدأت بتوقيع اتفاقيات الصداقة بين البلدين بتاريخ 1932م، وانتهت سنة 1942م عندما توقفت العلاقات بين البلدين مؤقتاً. ويأتي الكتاب ضمن سلسلة من المؤلفات أصدرها الكاتب الإيطالي (ماتيو بيتسيغالو) يدرس فيها التاريخ الحديث للدولة الإيطالية، وكان من ضمنها هذا الكتاب الذي يحلل دبلوماسية الصداقة التي سلكها الدبلوماسيون الإيطاليون المقيمون في جدة بالمملكة العربية السعودية ذلك الوقت في التعامل مع المملكة العربية السعودية. وكان من ثمراتها التقارب والتعاون والسلام بين الدولتين، كما كان لها كبير الأثر فيما بعد في سياسة الحكومات الإيطالية المتعاقبة ليس على العلاقات السعودية الإيطالية وحدها؛ بل على علاقاتها في المنطقة كلّها، وهو النظر إلى تلك الدول على أنها دول محبة للسلام، متطلعة إلى التعاون البناء بما يخدم المصالح المتبادلة بين الطرفين. والكتاب يعكس النظرة التي تنم بالتقدير والاحترام الذي تكنه الحكومة الإيطالية للمملكة العربية السعودية، ممثلة في قائد نهضتها الملك عبد العزيز بن عبدالرحمن رحمه الله، الذي جذب الأنظار إليه بتوحيده لكيان مترامي الأطراف، شاسع المساحات، وسعيه الدؤوب من أجل النهوض بها اقتصادياً وتعليمياً وحضارياً وفق أنظمة حديثة، وتطلعه إلى البحث عن مصادر اقتصادية تغني البلاد وتعين على الارتقاء بها، وتذلل الصعوبات المحيطة وتخدم رفاهية المواطن بما تقدمه له من خدمات ومتطلبات مهمة. إن هذا الكتاب بموضوعاته المتنوعة يقدم أدلة مختلفة على المكانة المهمة التي حظيت بها المملكة العربية السعودية في المجتمع الدولي المعاصر، لما لها من أهمية استراتيجية ليس من الناحية الاقتصادية فقط، بل من نواحٍ شتى، منها زعامتها للعالم الإسلامي، ووجود الحرمين الشريفين فيها، ثم لحكمة قادتها الذين سعوا ومازالوا يسعون من أجل عالم مستقر ومتعاون. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الكتاب قد حظي بمراجعة الدكتور فهد بن عبد الله السماري الأمين العام لدارة الملك عبد العزيز حرصاً على سلامة عباراته وصحة المعلومات التي قدمت فيه. ولأهمية الكتاب وما يحمله من معلومات تاريخية مهمة عن تلك الفترة الزمنية نعرض مقدمة الكتاب التي كتبها المؤلف ويقول فيها: * أدت الانتصارات العسكرية التي حققها في العشرينيات عبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود الشهير ب(ابن سعود) إلى قلب الوضع السياسي - الإقليمي لشبه الجزيرة العربية. وأدت هذه الانتصارات إلى مولد دولة جديدة بمنطقة ذات استراتيجية مهمة، اتجهت إليها إنجلترا لتمارس تأثيراً محتكراً عليها وحدها، كما حاولت أيضاً إيطاليا الاهتمام بها. ونتيجة لتأسيس الدولة الجديدة وتوطيدها التي سميت بالمملكة العربية السعودية عام 1932م اضطرت حكومة روما إلى إعادة النظر في سياستها في المنطقة لتأخذ اتجاهاً تدريجياً نحو تخطي منطق العلاقة المميزة مع اليمن، وهي العلاقة التي آتت ثمارها أيضاً، ولكنها أخيراً كانت تبدو على الأقل في أعين الدبلوماسيين المهتمين غير مناسبة على الإطلاق. ابن سعود من جهته وهو يحاول تدعيم استقلال مملكته من ناحية وفي الوقت نفسه يحاول منع التأثير الإنجليزي واحتواءه بقدر ما يمكن، وهو التأثير الذي تعرض له لوضع إنجلترا في المنطقة، كان قد بدأ بأساليب مختلفة بسلسلة من العلاقات مع ممثلين رسميين وغير رسميين للعديد من الدول المهمة الأخرى. لكن ابن سعود الذي كان يعدّ بوجه خاص برنامجاً لتجديد القواعد الاقتصادية وتحديثها ورفع قيمة الموارد الطبيعية لمملكته، كان يحاول - في هذا المجال أيضاً- القيام بذلك بمشاركات مع دول أخرى لديها كفاءات مالية وتقنيات ملائمة. في هذا الإطار كان لدى إيطاليا التي كان يتطلع إليها ابن سعود بصداقة خاصة إمكانية القيام بدور مهم، بشرط (كما نصح دبلوماسيونا المقيمون في جدة) أن تكون إيطاليا مستعدة لتفهم استراتيجية نفوذ سياسي وتجاري متسع النطاق، والتخلي عن الأساليب القديمة التي كان يعتز بها وزير المستعمرات وأوساط معينة بالحزب الفاشي. في هذا الكتاب قمت بإكمال موضوع كنت قد تطرقت إليه في كتاب سابق تناولت بعض الوجوه شبه الغامضة في النشاطات الدولية الإيطالية بالدول النائية. وقمت هنا بتحليل السياسة الإيطالية تجاه المملكة العربية السعودية في سنوات ما بين توقيع اتفاقيات الصداقة والتجارة عام 1932م و(توقف) العلاقات عام 1942م. وركزت بصورة خاصة على أساليب عمل دبلوماسيينا الذين كانوا يقيمون في جدة وخبراتهم. لقد تمكن هؤلاء المسؤولون مستخدمين بذكاء وكياسة جميع الأوجه التي كانت توفرها دبلوماسية الصداقة من إقامة علاقات شخصية جيدة مع الملك والسلطات العليا بكل تقدير واحترام. وقبل أي شيء حاول هؤلاء الدبلوماسيون من خلال إدراك صحيح للواقع المحيط بهم والتطورات المحتملة بكل الوسائل من تعزيز الوجود السياسي والمبادرات الاقتصادية القومية، متطلعين إلى تكوين علاقات إيطالية - سعودية في إطار أكثر اتساعاً تجاه المستقبل. وعلى الرغم من أن إرشادات دبلوماسيينا المقيمين في جدة آنذاك لم تجد آذاناً مصغية لدى الحكومة الإيطالية، فإن خبراتهم قد دخلت ضمن (الذاكرة التاريخية) لسياستنا الخارجية. وبعد سنوات عديدة، وفي مشهد دولي مختلف تماماً أصبحت هذه الخبرات القديمة (محوراً قيّماً) اهتدت به دبلوماسية الجمهورية الإيطالية في المملكة العربية السعودية ودول الشرق الأوسط، تلك الدبلوماسية المبنية على أسس الصداقة والسلام والتعاون بوصفها قيماً مكتسبة على الدوام. لقد التقيت في الأرشيفات والمكتبات التي عملت بها بشأن هذا الكتاب مسؤولين على درجة عالية من الكفاءة عاونوني بروح عالية. ومن أجل هذا أود توجيه الشكر لهم، وأود أن أذكر وأشكر العميد البروفيسور توليو دابونتي، مدير قسم علوم الدولة، والبروفيسور رافائيلي فيولا، وزملائي بكلية العلوم السياسية بجامعة نابولي (فيديريكو الثاني) الذين لم يبخلوا على إطلاقاً بعونهم وتقديرهم وصداقتهم العزيزة.
|